هل ستكون أزمة أوكرانيا حافزا لإصلاح مجلس الأمن الدولي؟
كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن عديد من نقاط الضعف الخطيرة في النظام الدولي. ويكمن أحد هذه العيوب البارزة التي ينبغي معالجتها، في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ودوره في الإشراف على النظام متعدد الأطراف. وبالتحديد، وتأكيدا لنقطة أبرزناها في مقالنا في تقرير أصدرته أخيرا مؤسسة بروكينجز، أظهرت الحرب في أوكرانيا مرة أخرى، أن حق النقض للأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن يمثل عائقا كبيرا أمام السلام.
وتنص المادة 1 من الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة، الذي صيغ بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، على أن الهدف الأول للأمم المتحدة هو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وتحقيقا لهذه الغاية، تهدف المنظمة إلى منع التهديدات المحدقة بالسلم وقمع أعمال العدوان، والتوصل إلى تسوية سلمية للنزاعات الدولية. وينيط الفصلان السادس والسابع من الميثاق هذه المهمة الأساسية بمجلس الأمن.
لكن حق النقض المطلق الذي تمنحه المادة 27 لكل عضو من الأعضاء الدائمين في المجلس (الدول الخمس التي تضم الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) كان منذ البداية عقبة رئيسة أمام إتمام الهيئة مهمتها. وذلك راجع لكون الدول الخمس غالبا ما تنقسم إلى كتل جيوسياسية متنافسة، فيمارس عضو في كتلة واحدة، وغالبا ما يكون من الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليا) أو الولايات المتحدة، حق النقض (الفيتو) على عديد من القرارات الحاسمة.
إن حرب روسيا ضد أوكرانيا هو تذكير بعجز مجلس الأمن عندما تتعارض مصالح واحد أو أكثر من الدول الخمس دائمة العضوية مع مصالح الأعضاء الآخرين. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان المتفائلون يأملون في أن يؤدي أي تهديد موجه للأمن، إلى قيام مجلس الأمن بخطوة أولى تتمثل في فرض عقوبات اقتصادية شاملة ملزمة لردع العدوان، وتشجيع الحل السلمي للنزاع.
لكن في سياق الصراع الحالي في أوكرانيا، يعني حق النقض الروسي في مجلس الأمن أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يمكنهم فرض عقوبات إلا من خلال "تحالف الراغبين". صحيح أن كبر عدد الدول وانتشار نظام المدفوعات القائم على الدولار خارج الحدود الإقليمية لأمريكا يمنحان العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة نفوذا هائلا. ومع ذلك، في هذه الحالة، كما في حالات أخرى، سيزيد نظام العقوبات العالمية الذي يفرضه مجلس الأمن من تقويض الاقتصاد الخاضع للعقوبات.
وفضلا عن ذلك، قد يؤدي الدور الناشئ للنقود الرقمية، وما قد يحدثه من تغيرات في النظام النقدي الدولي، إلى تقليص دور الدولار، وتقليل ما يمكن لتحالف الراغبين بقيادة الولايات المتحدة تحقيقه. والعيب الأخير هو أنه بينما يحتشد معظم العالم حاليا حول تحالف الديمقراطيات الذي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة حرب روسيا ضد أوكرانيا، لا يمكننا، لسوء الحظ، استبعاد احتمال قيام إدارة بايدن، أو إدارة شبيهة بها في الولايات المتحدة، بشيء يمكن أن يجعل حق النقض في مجلس الأمن مشكلة لعديد من دول العالم الديمقراطي.
إن كون مجلس الأمن الذي تتزايد عدم شرعيته وعدم فعاليته يقع في قلب النظام المتعدد الأطراف اليوم أمر مؤسف للغاية، بالنظر إلى النطاق المتزايد للتهديدات التي يواجهها السلام والأمن. ولا تقتصر هذه التهديدات على الأعمال العدوانية التقليدية من النوع الذي يشهده العالم في أوكرانيا - التي يمكن أن تتصاعد إلى تبادلات نووية - بل تشمل أيضا التهديدات الأمنية الأخرى التي تشكلها التقنيات الجديدة.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتسبب الجهات الفاعلة الحكومية أو غير الحكومية في إحداث فوضى من خلال الهجمات الإلكترونية المدمرة، أو إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي. ويمكن للفيروسات الاصطناعية الأكثر فتكا من الفيروس التاجي الذي تسبب في كوفيد - 19 أن تسبب ضررا لا يوصف، سواء من خلال هجمات إرهابية بيولوجية أو خطأ بيولوجي.
لذلك ندعو إلى تغيير طريقة عمل مجلس الأمن بصورة جذرية، وذلك عن طريق اقتراح إمكانية رد حق النقض لعضو دائم. ويمكن القيام بذلك عن طريق إضافة بند إلى المادة 27 من شأنه أن يسمح بأغلبية مزدوجة كبيرة، تمثل، على سبيل المثال، ما لا يقل عن ثلثي الدول الأعضاء وثلثي سكان العالم، من تجاوز حق النقض. واليوم، سترفض روسيا وربما الصين وثلاثة أعضاء بين الدول الخمس، بما في ذلك الولايات المتحدة اقتراحنا، لكن من المرجح أن تدعمه أغلبية كبيرة من الدول. والواقع أن هذا هو الوقت المثالي لديمقراطيات العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، لاقتراح مثل هذا التغيير. ومن خلال دعم هذا الاقتراح، يمكن لإدارة الرئيس، جو بايدن، اغتنام الفرصة وإظهار عزمها على إنشاء نظام متعدد الأطراف يتسم بقدر أكبر من الإنصاف والشمولية. وهذا من شأنه أن يبعث برسالة قوية، تحظى بترحيب واسع النطاق - مفادها أن الولايات المتحدة واثقة بأن مصلحتها الذاتية الوطنية المستنيرة ستتفق مع مصالح الأغلبية العظمى من دول العالم وشعوبه.
في البداية، من غير المرجح أن يحظى مثل هذا الاقتراح بتأييد كاف في الكونجرس الأمريكي. لكن كل أزمة هي بمكانة فرصة. ويمكن أن يحفز المخطط، كما هو موضح أعلاه، دعم المهتمين بما يحدق بأمن البشرية من تهديدات سواء القديمة منها أو الجديدة للإصلاح في الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى.
ونظرا لتزايد وتيرة تعرض السلام للخطر، يمكن لمجلس الأمن أن يضطلع بدور أكبر بكثير في التخفيف من المخاطر. فلنأمل أن تؤدي الحرب الروسية ضد أوكرانيا، إلى إحداث تغيير جذري يجعل الهيئة أكثر شرعية وفعالية.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.