رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ميزان الاستثمار .. تقلبات وحيرة

يسيطر القلق على الساحة العالمية، من الآثار الاقتصادية المترتبة على الأزمة الروسية - الأوكرانية. وينبع هذا القلق أساسا من حقيقة أن الاقتصاد العالمي لم يكن قبل هذه الأزمة في حالة تمكنه من امتصاص أي ضربات جديدة، بعد أكثر من عامين من أزمة أتت بها جائحة كورونا، غيرت من طبيعة مسارات متعددة، وأحيانا أربكتها، بما في ذلك أجواء الاستثمار عالميا، الذي تأثر بأزمة صحية غير متوقعة، ويتأثر الآن بأزمة متداعية بين روسيا وأوكرانيا، لا أحد يمكنه أن يجزم بسرعة نهايتها. ما يعني أن الأزمة الجديدة ربما مرشحة لأن تطول، إلا إذا أوقفت أدواتها الراهنة عبر مفاوضات سياسية يحتاج إليها العالم مثلما يحتاج إليها طرفاها. ولا بد من ملاحظة أن وضعية الاقتصاد العالمي حتى قبل كورونا لم تكن مثالية، مع نمو كان منخفضا وحروب أو معارك تجارية بين هذا الطرف وذاك، غزتها موجات الحمائية.
في زمن الحروب أو الاضطرابات تتراجع الرغبة في الاستثمار عند كل الشرائح أفرادا أو مؤسسات. وهذا أمر طبيعي عندما لا تكون الصورة واضحة في ذلك الزمن، وضبابية أو خطيرة في وقت لاحق، خصوصا مع غياب المؤشرات الدالة على حلول سياسية قريبة، والأهم على إمكانية تجاوز الآثار بسرعة. فالتأثيرات السلبية بدأت تظهر من الأزمة الأوكرانية - الروسية منذ اليوم الأول لها. لماذا؟ لأن روسيا تعرضت في الواقع لواحدة من أقوى وأسرع وأشمل عقوبات اقتصادية تفرض عليها. وعقوبات كهذه تؤثر في الساحة كلها بما في ذلك الجهات التي فرضتها، على الرغم من أن الاقتصاد الروسي ومعه الأوكراني لا يمثلان معا إلا نسبة ضئيلة من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي، فضلا عن غياب تأثيرهما المباشر في الساحة المالية الدولية.
لكن الحرب بين هذين الطرفين أفرزت سلسلة من المخاوف لا تنتهي، بل تشهد تصاعدا أيضا، لماذا؟ لأنها كرست حالة الاضطراب الجيوسياسي العالمي، وربما مضت في تعميقه في المستقبل. ومن أكبر المتأثرين من هذه الحالة، قطاع الاستثمار، الذي يشهد سلسلة من التساؤلات تتعلق بطبيعة المرحلة الراهنة وآفاقها، والأدوات التي يمكن أن يواجه بها التحولات الجديدة. وهذا أمر ليس سهلا بالطبع، خصوصا "مرة أخرى" عندما لا تكون الصورة واضحة تماما. والاستثمار يحتاج "كغيره" من القطاعات إلى حالة اقتصادية صحية، واستقرار سياسي عالمي. والشيء الأساسي الذي يعزز هذه الحالة، أن يكون الاستثمار بعيدا عن ساحات تعاني الركود. والعالم مهدد اليوم بعودة هذا الأخير بقوة، وذلك نتيجة ارتفاعات تاريخية في التضخم، وتأرجح أو اضطراب النمو الاقتصادي عموما.
والضغوط اليوم ناتجة من عدة عوامل، في مقدمتها الحرب الروسية - الأوكرانية وانعكاساتها الاقتصادية على ميادين مثل الطاقة وسلاسل التوريد وشبكات النقل، والخوف الذي سبقها من تبعات تخلي أغلبية الحكومات حول العالم عن مخططات التيسير المالي التي سادت الساحة منذ عدة أعوام، ولا سيما خلال العامين الماضيين، للمحافظة على ما أمكن من المكتسبات الاقتصادية في مواجهة كورونا. يبقى مناخ الاستثمار بعيدا عن الاستقرار في هذا الوقت بالذات، فالمخاوف آتية من إمكانية أن تجلب الأزمة الأوكرانية - الروسية إذا ما طالت الركود التراكمي، مع حالة ارتفاع التضخم، والأهم عدم القدرة في السيطرة عليه، وزيادة أسعار الفائدة، واختلال منظومة الأجور. هذه المعطيات، إلى جانب غيرها، تصنع بيئة إن لم تكن طاردة للاستثمار على المستوى العالمي، ستقلصه حتما. فالمشهد العام ليس واضحا. ولن يكون كذلك، عندما تكون هناك حرب دائرة في أوروبا بهذه الحساسية، وعندما يعيش العالم في مرحلة ما بعد كورونا، بكل مخلفاتها وأعبائها واستحقاقاتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي