أوروبا والشراكة المثمرة مع إفريقيا «2 من 2»

عملت الجائحة أيضا على نقل المنافسة الجيوسياسية في إفريقيا إلى ما هو أبعد من فرص الاستثمار والأعمال لتشمل القيم ونماذج الحوكمة. ونحن نجد أنفسنا في مواجهة قوى عالمية أخرى تختلف أساليبها وأجنداتها تمام الاختلاف عن أساليبنا وأجنداتنا. ولن يتورع عديد من هذه القوى عن استخدام حملات التضليل وغير ذلك من أشكال الحرب الهجينة لتقويض النفوذ الأوروبي.
على الرغم من هذه الصعوبات، إلا أنه لا يزال لدينا من الأسباب المقنعة ما يحملنا على الرغبة في جعل أوروبا الشريك المفضل لإفريقيا. أحد هذه الأسباب أن مشكلات إفريقيا هي مشكلاتنا. فالإرهاب وانعدام الأمن لا يعرفان حدودا. ومنطقة الساحل ليست بعيدة عن أوروبا، كما قد تبدو أحيانا، كما يهدد عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي أحد أهم طرق التجارة في العالم. ثم هناك تغير المناخ، الذي سيوجد حتما موجات جديدة من الهجرة، في حين يعمل على تدمير سبل معايش الناس ويجعل مجتمعاتهم غير صالحة للسكنى.
تستنهض ثروة الفرص في مختلف أنحاء القارة مساعينا. تتسم اقتصادات ومجتمعات إفريقيا بالشباب والديناميكية. وستضطر المجتمعات التي تمكنت منها الشيخوخة في أوروبا إلى الاعتماد عليها عاجلا أو آجلا. تتمتع القارة أيضا بوفرة من المواد الخام وإمكانات هائلة لنشر تكنولوجيات الطاقة المتجددة والمساعدة على إنتاجها.
أخيرا، ينبغي لنا أن نفكر من منظور جيوسياسي. من المتوقع أن يصل عدد سكان قارة إفريقيا إلى 2.5 مليار نسمة بحلول 2050. تـعـد إفريقيا قوة عالمية صاعدة، والشراكة الأوثق من شأنها أن تمكن أوروبا وإفريقيا معا من ممارسة قدر أكبر كثيرا من النفوذ على المسرح العالمي، ما يعطي دفعة لنموذج التعددية الذي يدعمه كلا الشريكين.
لإحراز النجاح، نحتاج إلى أجندة إيجابية تقوم على أولويات مشتركة. ودون تحاشي الصعوبات، يتعين علينا أن نركز على تحقيق نتائج ملموسة سريعة. إن إفريقيا ليست في احتياج إلى الإحسان أو الإثارة الإعلامية. بل تحتاج إلى التعاون والشركات القادرة على تلبية طموحات شعوبها حقا.
لتحقيق هذه الغاية، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى الجمع بين مواطن القوة التي تتمتع بها دوله، ومؤسساته المالية، وبنوك التنمية، ووكالاته المختلفة. لقد أعطت الجائحة الجوهر لمفهوم هذا النهج القائم على "توحيد قوى أوروبا"، ويجب أن تصبح طريقة العمل هذه عادة لتجنب الاستراتيجية المفتتة وكل ما يصاحبها من مشكلات.
في إفريقيا، كما في أي مكان آخر، لا يكون للاتحاد الأوروبي أي ثـقـل إلا عندما تعمل الأجزاء المكونة له معا. وهذا لا يشمل مؤسسات وحكومات الاتحاد الأوروبي فحسب، بل يجب أن تكون منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص أيضا أكثر انسجاما مع الديناميكيات على أرض الواقع.
إن مستقبل أوروبا سيتشكل إلى حد كبير من خلال مستقبل إفريقيا. وهناك وفي أماكن أخرى، يتعين علينا أيضا أن ندافع بشكل أفضل عن المشروع الأوروبي من خلال إثبات حقيقة مفادها أن قيمة الاتحاد الأوروبي المضافة تتجاوز مثيلاتها لدى القوى العالمية الأخرى. ويجب أن تكون قمة هذا الشهر نقطة الانطلاق لبناء شراكة جديدة بين القارات.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي