عودة التضخم العالمي «2 من 2»
على النقيض من صدمة الإمداد المرتبطة بالنفط في سبعينيات القرن الـ 20، كانت صدمات الإمداد المرتبطة بجائحة كوفيد - 19 أكثر تنوعا وإبهاما، وبالتالي أشد غموضا، كما يؤكد أحدث تقارير البنك الدولي بشأن آفاق الاقتصاد العالمي.
ففي الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، أسهم انخفاض قيمة العملات "بسبب انخفاض تدفقات رأس المال الأجنبي إلى الداخل وخفض التصنيف الائتماني للديون السيادية" في إحداث تضخم أسعار السلع المستوردة. ولأن توقعات التضخم في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية أقل ثباتا وأكثر توافقا مع تحركات العملة مقارنة بحالها في الاقتصادات المتقدمة، فإن العبور من أسعار الصرف إلى الأسعار يميل إلى أن يكون أسرع وأكثر وضوحا.
يتمثل عامل مهم آخر في تضخم أسعار الغذاء. خلال 2021، تجاوزت الزيادات في أسعار المواد الغذائية على مدى 12 شهرا 5 في المائة في 79 في المائة "86 من أصل 109" من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. في حين لم تكن الاقتصادات المتقدمة محصنة ضد ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فإن 27 في المائة منها فقط شهدت ارتفاعات في الأسعار تجاوزت 5 في المائة.
الأسوأ من هذا أن تضخم أسعار الغذاء يضرب في عموم الأمر الدول المنخفضة الدخل أيضا"والأسر الأقل دخلا في كل مكان" بشدة، ما يجعله يرقى إلى مستوى الضريبة التنازلية. يمثل الغذاء حصة أكبر كثيرا من متوسط سلة استهلاك الأسر في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، وهذا يعني أن التضخم في هذه الاقتصادات من المرجح أن يثبت كونه متواصلا. وستترجم أسعار الطاقة المرتفعة اليوم بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية غدا بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة، والنقل، وما إلى ذلك.
برغم أن أغلبية الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية لم تعد تثبت أسعار الصرف ــ كما كانت تفعل أثناء أعوام التضخم في سبعينيات القرن الـ 20 ــ فإن نطاق السياسة النقدية "المستقلة حقا" في الاقتصادات الصغيرة المفتوحة يظل محدودا، على الرغم من تعويم أسعار الصرف. ولم يعد خطر استيراد هذه الاقتصادات للتضخم من المراكز المالية العالمية من بقايا الماضي.
الواقع أن السمة الأكثر بروزا في التضخم اليوم هي انتشاره في كل مكان. في غياب خيارات السياسة العالمية لحل ارتباكات سلاسل التوريد، تترك مهمة معالجة التضخم للبنوك المركزية الكبرى. وبينما تستعد الولايات المتحدة للخضوع لقدر معتدل من إحكام السياسات "وفقا للمعايير التاريخية" في 2022، فإن هذا من غير المرجح أن يكون كافيا لكبح جماح نمو الأسعار. كما نثبت بالوثائق، أنا وكينيث روجوف، في دراسة بحثية نشرناها في 2013، فإن قدرا كبيرا من استمرار التضخم في السبعينيات كان راجعا إلى ميل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى القيام بأقل القليل من الجهد، بعد فوات الأوان "إلى أن وصل بول فولكر".
من المؤكد أن الاستجابة السياسية الأفضل توقيتا والأكثر قوة من جانب البنوك المركزية الكبرى لن تكون بشرى سارة للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية في الأمد القريب. وستواجه أغلبها تكاليف تمويل أعلى، وقد يصبح اندلاع أزمات الديون في بعضها أكثر ترجيحا. بيد أن التكاليف الأبعد أمدا المترتبة على تأخير العمل ستكون أعظم. وبسبب فشل الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة في التصدي للتضخم بسرعة في سبعينيات القرن الـ20، احتاجت هذه الدول في نهاية المطاف إلى سياسات أشد قسوة، التي قادت إلى ثاني أعمق ركود في تاريخ أمريكا بعد الحرب، فضلا عن أزمة الديون في الدول النامية. كما يقول المثل القديم فإن "علاج المشكلة في بدايتها يحول دون استفحالها". من ناحية أخرى، سيستمر انبعاث التضخم في تعزيز فجوات التفاوت، سواء داخل الدول أو بينها.