إدارة برؤية حاسمة
مثلت جائحة كورونا تجربة إنسانية فريدة من نوعها، وذلك بعد أن بدأت بالتفشي في الصين نهاية 2019، ثم لم يمض الربع الأول من 2020 حتى عمت الجائحة أرجاء المعمورة، واتخذت معها الدول إجراءات احترازية متصاعدة، ومستمرة، لكنها إلى حد كبير متباينة. ومع الانتشار الواسع للجائحة كانت هناك شكوك حول خطورتها، وضعف قدرات القطاعات الصحية في الاستجابة لها والتعامل معها، وكانت المملكة العربية السعودية من الدول القلائل التي أخذت الأمور على محمل الجد فعليا، فأوقفت الرحلات من وإلى الصين فورا، ثم بدأت بالعزل الطبي لعدد من المدن تدريجيا، حتى وصلت إلى الحجر الكامل، ما منح القطاع الصحي فرصة لتجهيز مستشفيات ومراكز صحية مؤقتة لاستقبال الحالات الطارئة، وتخفيف الضغط المتوقع على المستشفيات الرئيسة، خاصة العناية المركزة لتتمكن الحالات الأخرى من تلقي العلاج.
كما سارعت السعودية إلى دعوة قادة دول العشرين إلى قمة طارئة تمت لأول مرة في التاريخ من خلال الاتصال المرئي، ووجدت ترحيبا عالميا ونجاحا منقطع النظير، ورغم الصعوبات التقنية والأمنية لمثل هذا الاتصال، إلا أنها أثبتت قدراتها الكبيرة التي تضاهي الدول المتقدمة عالميا، لتستحق عن جدارة تلك الرئاسة وفي هذه المرحلة التاريخية للعالم.
وسيظل التاريخ يذكر بمداد من ذهب قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لقمة العشرين واتخاذ قرارات حاسمة بدعم منظمة الصحة العالمية من أجل تسريع عمليات صناعة اللقاحات المضادة للفيروس، ودعم الدول الأشد فقرا من خلال الإعفاء من الديون، وتأجيل الدفعات، والإعفاء من الفوائد، إلى جانب إقرار الحصول على حزم دعم تجاوزت 11 مليار دولار على فترات من ذلك العام التاريخي.
وقد كان نتيجة تلك الاستجابة السريعة والموفقة جدا في نهاية آب (أغسطس) 2020، أي بعد مضي أكثر من عشرة أشهر على وجود حالات في الصين، تسجيل السعودية أقل معدل وفيات لم يتجاوز 1 في المائة، بينما كانت هذه النسبة تصل إلى أكثر من 14 في المائة في إيطاليا وفرنسا، وبلغت 5 في المائة في الصين.
تقرير وزارة الصحة السعودية بين التطور الكبير الذي حققته البلاد في نماذج تتبع الأمراض المعدية في الحج والعمرة من خلال دراسات طب الحشود، التي مكنت من تطوير نظام دقيق لتقييم مخاطر انتشار جائحة كوفيد - 19 على المستويين الدولي والداخلي. وبناء على هذه التقييمات والإحصائيات العالمية الموثوقة، كانت الرياض تصدر تحذيراتها من السفر إلى الدول الموبوءة في مراحل مبكرة من انتشار الجائحة، ثم بتعليق الرحلات الجوية كافة، وإغلاق المنافذ الأخرى، وتعليق العمرة، وتقليص أعداد الحجاج.
ولم تقف التوجيهات عند الوضع الصحي فقط، بل تعدت ذلك إلى دعم العاملين السعوديين في منشآت القطاع الخاص، وإيقاف الغرامات الخاصة باستقدام العمالة، ورفع الإيقاف مؤقتا عن منشآت القطاع الخاص لتصحيح النشاط، واحتساب توظيف السعودي في نطاقات فوريا لكل المنشآت، ورفع الإيقاف الخاص بحماية الأجور، وتأجيل تحصيل الرسوم الجمركية على الواردات لمدة 30 يوما، وغيرها الكثير في كل القطاعات.
كما تم تطوير عدد كبير من التطبيقات التي تسهم في تيسير الأعمال، دون الحاجة إلى الحضور إلى مقار العمل، وقد أسهم تطور تقنية المعلومات، وتسهيل الإجراءات، وممارسة الأنشطة، في بناء تلك القدرات الرقمية، حيث جاء تطبيق "توكلنا" أحد أهم مخرجات الفترة الذي مكن السلطات من تتبع الحالات المرضية، والحد من انتشار العدوى بصورة ترفع مستوى الوعي العام، والمساهمة المجتمعية.
ومع نجاح الشركات العالمية في اكتشاف اللقاحات المضادة للفيروس بتحفيز كبير من منظمة الصحة العالمية، فقد لقي ذلك دعما كبيرا من السعودية، حيث تم إقرار دعم تجاوز 500 مليون دولار، ليساند الجهود الدولية الكبيرة.
وعملت السعودية في حينه على توزيع اللقاحات مجانا لكل من يعيش ويقيم على أرضها مهما كانت صفته القانونية، وحققت خلال أقل من عام قفزة نوعية في عدد من تلقوا اللقاحات، حيث بلغت الجرعات في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أكثر من 44.6 مليون، عبر أكثر من 587 موقعا للتطعيم في كل المناطق، وبلغ عدد من تلقوا التطعيم بجرعة واحدة أكثر من 23.9 مليون، يمثلون 67.6 في المائة. ومع حلول كانون الثاني (يناير) 2022، بلغ عدد الجرعات أكثر من 57.3 مليون جرعة.
كما عملت السعودية فعليا على تخفيف القيود منذ آذار (مارس) 2021، مع انتشار اللقاحات والوعي المجتمعي، حيث تم رفع الحظر الذي كان مفروضا على جميع الأنشطة والفعاليات الترفيهية، ودور السينما والمراكز الترفيهية الداخلية، من صالات المراكز الرياضية، وتقديم خدمات الطلبات الداخلية في المطاعم، والمقاهي، وما في حكمها. ومنذ ذلك الحين لم تفرض الرياض الإجراءات الحادة مثل الحجر، وإغلاق الاقتصاد، وهو ما ظهر جليا في مؤشر IHS ماركت الذي توقع أن يسجل الاقتصاد السعودي خلال الربع الأخير من 2021، أعلى مستويات النمو بين دول مجموعة العشرين عند 11.1 في المائة.
هذه الإنجازات تأتي نتيجة طبيعية للدعم القوي والإشراف المباشر من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتؤكد قوة وكفاءة الإصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها السعودية منذ 2016، فقد كان للجائحة أثر بارز في أسواق النفط، وهو ما كان سيقود إلى صدمة اقتصادية للإيرادات النفطية، ما يجعل الحكومة عاجزة عن مواجهة تبعات ذلك، لكن الإصلاحات الاقتصادية التي وضعت من خلال رؤية المملكة 2030، كان لها بالغ الأثر في تخطي تبعات الجائحة كوفيد - 19.
ووفقا لتلك الجهود والإصلاحات، جاءت السعودية في المرتبة الثانية في تصنيف وكالة "بلومبيرج" لأكثر الدول مرونة في التعامل مع كوفيد - 19 في كانون الثاني (يناير) الماضي، وهذا يعد اعترافا عالميا بفاعلية برامج اللقاحات التي اعتمدتها الحكومة والوصول بها إلى مستويات مرتفعة من التحصين بالجرعتين الأولى والثانية، وفاعلية الخطط الصحية والاقتصادية، حيث وصف مؤشر "بلومبيرج"، السعودية بأنها من الدول الأكثر قدرة على التعايش مع الفيروس وإعادة فتح اقتصاداتها من بين أكبر 53 اقتصادا في العالم استجابة في التعامل مع فيروس كورونا، ليعزز ذلك الموثوقية في اقتصادها وجهودها الطبية، في وقت عاد فيه عديد من دول العالم إلى سياسات الإغلاق الاقتصادي تخوفا من انهيار أنظمتها الصحية.