رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإمام محمد بن سعود وبناء النموذج الناجح

 

التاريخ تجربة إنسانية كبرى، حملت في طياتها قصص شخصيات ألهمت من حولها، وعملت على إحداث التغيير الذي تتطلع إليه مجتمعاتهم، ورغم رحيلهم، إلا أن أعمالهم تركت أثرا لا يمحى، وحققت تحولا فارقا في تاريخ أوطانهم.
وبالعودة إلى تاريخنا الوطني العريق، نجد أن الإمام محمد بن سعود يمثل رمزا وطنيا ملهما، ومؤسسا للكيان الكبير الذي نعيش اليوم تحت رايته، يستحق أن تبرز سيرته، وتروى، لتظل حاضرة في وجدان الأجيال بما تحمله من تفاصيل جديرة بالتأمل. وقد اخترت لكم من بينها بعض الجوانب التي تعكس جزءا مهما من شخصيته الملهمة.
أول هذه الجوانب، هو قدرته على تحمل المسؤولية، التي تعد بمنزلة القاسم المشترك لكل الشخصيات الناجحة والملهمة عبر التاريخ. واتضح هذا الجانب من شخصيته في مواقف عديدة، فخلال عهد والده سعود بن محمد بن مقرن (1132 - 1137 هـ) تحمل مسؤوليات قيادية عديدة، فعلى سبيل المثال، تولى مسؤولية الدفاع عن الدرعية، وتعزيز قوتها، أمام حملة عسكرية استهدفتها من خارج نجد، ودافع عنها بشجاعة صدت عنها العدوان، كما كان عونا لأبيه في تسيير الشؤون الداخلية، ما عمق وعيه بما تواجهه المنطقة من تحديات. وبعد وفاة والده وقف إلى جانب أمراء الدرعية - زيد بن مرخان، ومقرن بن محمد، ثم زيد بن مرخان - لحماية الدرعية، وضمان تماسكها، ووظف مكانته في المجتمع، وثقة أمراء الدرعية وأهلها بقدراته لرعاية المصلحة المشتركة، والمحافظة على قوة الدرعية ومكانتها، وتأكيد استتباب الأمن الداخلي، وما يمثله هذا من أثر في استقرار لجميع أوجه الحياة الإنسانية في الدرعية. ومنذ مبايعته لتولي الحكم عام 1139 هـ بدأت مرحلة جديدة في حياته، بل في حياة البلاد أجمع، تحمل خلالها مسؤوليات جسيمة سياسية، وعسكرية، واجتماعية، واقتصادية، وأهمها تحمله مسؤولية التغيير للأفضل، والسعي لتحقيق الوحدة الوطنية، وتأسيس دولة كبرى تعيد المجد الذي فقدته شبه الجزيرة العربية قرونا طويلة، ورغم أن هذا الهدف قد بدا مستحيلا في ظل ظروف تلك الفترة، وترسخ الاستقلالية المحلية الضيقة، ورغم التحديات العديدة التي واجهها، إلا أنه لم يتراجع عن هدفه، وتحمل مسؤولية تحقيقه، طيلة 40 عاما قضاها في الحكم، ما مكنه من تأسيس النواة القوية للوحدة الوطنية، التي أثبتت صلابتها، وقدرتها على البقاء في حالة نمو حيوي وتطور استمر حتى يومنا هذا، فهذا الوطن الذي نعيش اليوم في ظله إنما هو بفضل الله، ثم بنتاج الجهود التي تحمل الإمام محمد بن سعود القيام بها رغم التحديات.
الجانب الثاني من جوانب شخصية الإمام محمد بن سعود، هو قدرته على بناء النموذج الناجح، فلا يمكن أن يقتنع الآخرون بأمر إن لم يروه واقعا أمامهم، وتأسيس كيان جامع لم يكن مهمة عادية، وليس من السهل أن تتقبلها الكيانات التي اعتادت التفكك والاستقلال المحلي بمفهومه المحدود، ولذلك، عمل الإمام محمد بن سعود، منذ توليه الحكم عام 1139 هـ على بناء النموذج الواقعي، ليكون نواة تبنى من خلالها الدولة الكبرى التي وضعها في تصوره منذ توليه الحكم، هذا النموذج هو الدرعية التي أصبحت في عهده وحدة سياسية واحدة بعد مرحلة طويلة من الضعف والانقسام، وهذا الفكر الرافض للانقسام يعكس بوضوح الرؤية التي كان الإمام محمد بن سعود يؤمن بها، وهي أن الوحدة هي الأولوية. ثم عمل على تعزيز قدرات الدرعية الاقتصادية، والأمنية، وعمل على تطوير مجتمعها من خلال العناية بتشجيع التعليم، ونشر العقيدة الصحيحة الخالية من البدع، مبتدئا في ذلك بنفسه، وأهل بيته، فكان أخواه ثنيان، ومشاري، وابنه عبدالعزيز - الإمام فيما بعد - من النابهين في العلم الشرعي، وكانوا على تواصل علمي مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب قبل انتقاله للدرعية. ولما تحققت للدرعية نهضتها، وبرهنت على أن الوحدة تحمل معها الاستقرار والخير والمنعة، انطلق منها نحو ما حولها، وتواصل مع البلدات الأخرى، وتمكن من كسب ثقة زعمائها للانضمام إلى الدولة السعودية في كيان قوي، تذوب فيه الانتماءات الضيقة لمصلحة هدف أسمى.
الجانب الثالث من جوانب شخصية الإمام محمد بن سعود هو الوعي باحتياجات مجتمعه، والأخطار التي تحيط به، فقد رأى بعينه حالة الانقسام والضعف التي تعيشها شبه الجزيرة العربية، وما أنتجه هذا الوضع من طمع القوى المحيطة بها، فضلا عن التراجع الاقتصادي، والأمني، والتعليمي، وانتشار الجهل والبدع بين العامة، وعدم قدرة كثيرين على التفرغ لطلب العلم بسبب ظروفهم المادية، وطبيعة الحياة التي تتطلب جهد أفراد الأسرة كافة. وكان كذلك على وعي بطريقة تفكير الزعامات المحلية الأخرى، وتمسكهم باستقلاليتهم، حتى إن كانت على حساب المصلحة المشتركة. ورغم هذه التحديات إلا أن الصورة الأكبر، والمصلحة الأعم التي رسمها الإمام محمد بن سعود في ذهنه تمكنت من تبديد كثير من التحديات، وتلبية احتياجات المجتمع الأمنية، والتعليمية، والاقتصادية.
أخيرا، تعد السيرة الحسنة، والسمعة الطيبة، وحسن المعاملة، جوانب بارزة في شخصية الإمام محمد بن سعود، شهد بها معاصروه، فقال ابن غنام: إنه كان: "بحسن السيرة معروفا، وبالوفاء وحسن المعاملة موصوفا، مشهورا بذلك، دون من هنالك"، فكان من صفاته التي عرف بها: التدين، والاستقامة، والالتزام بالشريعة الإسلامية، حريصا على إقامتها، كما عرف بالزهد، وحب الخلوة والتأمل، كريما، باذلا، رحيما بمن حوله، حريصا على تفقد احتياجاتهم، ومساعدتهم. كما اتصف باليقظة، والحكمة، والهمة العالية، والعدل، والشجاعة، والإقدام، والثبات عند الشدائد.
هذه الجوانب توضح بجلاء أن الإمام محمد بن سعود كان نموذجا فريدا، واجه الصعاب بقلب ثابت، وذهن متيقظ، وهدف نبيل قضى حياته في تحقيقه، لينعم من بعده بالاستقرار، والازدهار.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي