رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البنك المركزي الأوروبي والمعضلة النقدية «2 من 2»

بات من الواضح على نحو متزايد أن التضخم سيكتسب مزيدا من الزخم في غياب تدابير السياسة النقدية المضادة، ما ينذر بنهاية عصر استقرار الأسعار. هذا من شأنه أن يضع البنك المركزي الأوروبي في موقف صعب لأنه سيواجه على نحو متزامن عدة مشكلات حادة من صنعه.
أولا، أفضى التمويل النقدي للديون السيادية الجديدة من جانب البنك المركزي الأوروبي إلى إيجاد حالة من تراكم الأموال نتيجة عدم القدرة على إنفاقها، والآن يسجل الطلب القوي ارتفاعا واضحا في مواجهة قيود العرض التي فرضتها الجائحة. والنتيجة هي ارتفاع الأسعار، الذي من المرجح أن يصبح حالة مستوطنة من خلال الزيادات اللاحقة في الأجور. يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يتعامل بجدية مع خطر دوامة الأسعار والأجور، حتى لو ظهرت إشارات قليلة تدل على حدوث هذا في الوقت الحاضر.
ثانيا، بات من الواضح على نحو متزايد أن التحول الأخضر لن يكون في حكم الممكن دون ارتفاع التضخم بقوة. من الناحية المثالية، يجب أن تصبح مصادر الطاقة التقليدية أكثر تكلفة إلى الحد الذي تصبح معه الطاقة المتجددة أرخص من خلال التوسع في إنشاء القدرات وتشييد البنية الأساسية المتصلة بها. ويجب أن يعمل التغير في الأسعار النسبية على تغيير بنية الطلب في حين يظل مستوى الأسعار الإجمالي مستقرا. الواقع أن القدرات الإنتاجية في مجال الطاقة البنية انخفضت بشكل أسرع من إمكانية إنشاء قدرات جديدة في مجال الطاقة الخضراء. ونتيجة لهذا ارتفعت أسعار الطاقة التقليدية دون أن تنخفض أسعار الطاقة المتجددة وفقا لذلك للتعويض عن النقص.
نظرا لاستعراض البنك المركزي الأوروبي النشاط بطريقة مفتوحة وإبدائه الرغبة في تنسيق السياسات النقدية والاقتصادية والمناخية، فإنه يواجه الآن مأزقا خطيرا. ولأن مهمته الأساسية تتلخص في ضمان استقرار الأسعار، فمن الأهمية بمكان أن يكون مستعدا لتحول السياسة النقدية.
قد يعني هذا اتخاذ خطوات مستمرة لتثبيط الطلب عن طريق تقليص الفائض من الأموال "بيع السندات الحكومية التي تراكمت على دفاتر ميزانيته العمومية" ورفع أسعار الفائدة بسرعة أكبر "على عكس رسائله السابقة". وهذا التشديد من شأنه أن يوجد مشكلات حقيقية لدول منطقة اليورو المثقلة بالديون، ليس فقط في تمويل الديون الجديدة بل أيضا في إعادة تمويل الديون مستحقة السداد. وسيؤدي انخفاض الإيرادات الضريبية وارتفاع معدلات البطالة مع تباطؤ الاقتصاد إلى تفاقم المشكلة. وسرعان ما يصبح مستقبل عضوية بعض الدول في الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي موضع تساؤل مرة أخرى.
لكن إذا تسامح البنك المركزي الأوروبي مع التضخم متزايد الارتفاع، فسيخسر مصداقيته، نظرا للشكوك المتنامية حول استعداده أو قدرته على الحفاظ على استقرار قيمة النقود. وسيؤدي ارتفاع توقعات التضخم إلى زيادة ديناميكيات التضخم وانخفاض أسعار الصرف، وهذا من شأنه أن يزيد حدة الضغوط التضخمية.
مثله كمثل شخصية هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة، يواجه البنك المركزي الأوروبي معضلة. هل ينبغي له أن يتمسك على نحو ثابت لا يتغير بالمهمة الموكلة إليه ويجازف بتعريض الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي لامتحان مصيري آخر، أم يجب عليه أن يتقبل التضخم الأعلى، ويفقد مصداقيته، ويختم على مصير اليورو باعتباره عملة سهلة التداول؟ في المسرحية، لا يستطيع هاملت اتخاذ القرار أبدا. وهذا هو السبب الذي جعلها مأساة تنتهي إلى كارثة.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي