حياة رغيدة .. دروس من 3 دول «3 من 3»
شهد التاريخ الطويل لكوستاريكا قادة وضعوا الرعاية الاجتماعية ضمن الأولويات الحكومية. ففي عام 1869 أصبحت كوستاريكا من أوائل الدول على مستوى العالم التي جعلت التعليم المدرسي الابتدائي مجانيا وإلزاميا. وترى كريستينا إجوزابيل أستاذة العلوم السياسية، أن كوستاريكا دائما ما كانت تتمتع بنخبة مستنيرة.
وتضيف قائلة: كانت النخبة في كوستاريكا لديها من الحكمة ما جعلها تحافظ على مستوى محدد من الرعاية الاجتماعية في حربها الضارية على الفقر. ورغم اتساع فجوة عدم المساواة في الدخل، تراجعت نسبة السكان الذين يعانون الفقر المدقع، حتى وقعت أزمة كوفيد - 19. وهذا الإحساس بالأمن والتمكين والمساواة مهم للغاية.
لكن كيف تحقق للنخبة هذا القدر من الحكمة؟ تقول إجوزابيل: إن المصلحة الذاتية من دوافع التنوير. فخلال السبعينيات شهد البلد أعلى معدلات إزالة الغابات في أمريكا اللاتينية. وتمثل المياه المصدر الأول للطاقة في كوستاريكا، لكن السدود كانت توشك على الجفاف. لذلك عدلت الحكومة مسارها، لأنها لو لم تفعل لكانت البلاد قد خسرت مصدر طاقتها. واليوم أصبحت كوستاريكا من الدول الرائدة على مستوى العالم في مجال الحفاظ على البيئة. وتضيف إجوزابيل قائلة: كلما حافظت على البيئة ازدادت فرص العمل.
ويؤكد كاسترو، عضو الكونجرس السابق، على ذلك قائلا: كل مواطن في كوستاريكا يضمن قبل مولده الحصول على الحياة والتعليم والغذاء والضمان الاجتماعي، ولن يعرف الحرب إلا من خلال الأفلام، وهذا هو المفهوم الحقيقي للحياة النقية". ويبدو أن للسعادة أسبابا كثيرة في كوستاريكا، وليس سببا واحدا.
وبشأن نيوزيلاندا فقد تحولت إيجابيا في سعر مسار الحوار حول الرعاية الاجتماعية، ففي عام 2019، كشفت الحكومة العمالية في نيوزيلندا بقيادة جاسيندا أرديرن رئيسة الوزراء النقاب عن موازنة تهدف إلى التصدي لبعض التحديات طويلة الأمد التي تواجهها البلاد على صعيد العنف الأسري وفقر الأطفال والإسكان.
وتولي ميزانية الرفاهية لعام 2019، كما يطلق عليها، الأولوية لخمسة مجالات رئيسة، وهي الصحة النفسية، ورفاهية الأطفال، ودعم مطامح شعوب الماوري والباسيفيكا، وبناء أمة منتجة، والتحول الاقتصادي. ورصدت الميزانية عدة مليارات لخدمات الصحة النفسية وفقر الأطفال، فضلا عن ضخ استثمارات غير مسبوقة في مجموعة من التدابير الهادفة إلى التصدي للعنف الأسري.
وحققت نيوزيلندا التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة مستويات جيدة من الأداء في عديد من مقاييس الرفاهية مقارنة بمعظم الدول الأخرى الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. لكنها من بين الأسوأ أيضا من حيث مستويات العنف الأسري والجنسي، كما تعد ظاهرة فقر الأطفال من التحديات التي تواجه البلاد. فحسب وكالة الإحصاءات في نيوزيلندا بلغ عدد الأطفال الفقراء نحو 210500 طفل "18,4 في المائة" عام 2020.
وفي نيوزيلندا، يتمثل أحد الجوانب الأساسية لنهج الرعاية الاجتماعية في الإقرار بضرورة مراعاة جميع جوانب المعيشة الكريمة من خلال رؤية شاملة، بداية من توفير خدمات الرعاية الصحية والتعليم حتى تعزيز الشعور بالترابط المجتمعي.
ويقول جيرول كاراكا أوغلو، كبير الاقتصاديين السابق في وزارة الخزانة في نيوزيلندا الذي يشغل حاليا منصب عميد كلية الدراسات الحكومية في جامعة فيكتوريا في ويلينجتون، وهو أيضا مؤلف كتاب بعنوان Love you: Public Policy for Intergenerational Wellbeing "الجيد في الأمر أن مسار الحوار قد اختلف بالفعل".
"فقد أصبحنا ندرك في الوقت الحالي أن علينا الاهتمام بجوانب أخرى بخلاف الدخل. وهو ما أخذته نيوزيلندا على محمل الجد، وميزانية 2019 خير مثال على ذلك".
فقد كانت هذه الميزانية بمنزلة إقرار بالرابط بين الصحة والاقتصاد. وهي خطوة إيجابية في رأي كيرك هوب، الرئيس التنفيذي لجمعية الأعمال في نيوزيلندا BusinessNZ.
ويضيف قائلا "ويجري حاليا ضخ عديد من الاستثمارات في النظام الصحي. ويجب أن يكون لهذه الاستثمارات مردود إيجابي، ولا سيما أن الرفاهية عامل أساسي بالنسبة لأنشطة الأعمال. فالعمالة التي لا تتوافر لها أسباب الرفاهية لن تحقق إنتاجية كبيرة".
وفي الوقت نفسه، يشير عدد من الخبراء إلى الحاجة إلى مزيد من العمل لقياس النتائج وتمكين المجتمعات المحلية. ويقول كاراكا أوغلو "من الضروري للغاية أن نعمل بشكل متواصل من أجل تحقيق مستوى الرفاهية المرجو، والتحول الأهم على الإطلاق الذي طرأ في هذا الصدد هو أننا أصبحنا نرى ضرورة إفساح مجال أكبر للمجتمعات المحلية للتعبير عن آرائها وتوجيه مزيد من الموارد لها من أجل إحداث التغير المنشود".
"فالقضايا التي نتعامل معها لن يتسنى حلها على المستوى المركزي الذي يتعين أن يكون دوره في هذه الحالة هو الاستماع والدعم".