أين تكمن مشكلة الحوكمة العالمية؟ «2 من 2»
العامل الثاني في تصنيف الحوكمة العالمية هو وجوب أن تحل الحوكمة 4.0 محل الرؤية الضيقة والنهج الذي يتجه من القمة إلى القاعدة الذي ساد في الماضي. نحن نعيش في عالم شديد التعقيد والترابط، وليس في عالم خطي تتخلل مسيرته قلة من الانقطاعات. هذا يعني أيضا أن الأدوار والمسؤوليات التي يضطلع بها كل صاحب مصلحة في المجتمع يجب أن تتغير. فلم يعد بوسع الأعمال أن تتجاهل تأثيرها الاجتماعي والبيئي، في حين لم يعد من الجائز أن تتصرف الحكومة كأنها وحدها لديها جميع الإجابات.
ثالثا، يجب أن يتوقف التأكيد الحالي على المفهوم الضيق للاقتصاد والمصالح المالية قصيرة الأجل. بدلا من ذلك يجب أن تكون أولوية المجتمع والطبيعة في صميم أي نظام حوكمة جديد - سواء للأعمال أو الحكومة. لا شك أن كيانات التمويل والأعمال تشكل أهمية بالغة، لكنها يجب أن تخدم المجتمع والطبيعة، وليس العكس.
لقد تغير العالم، ويجب أن تتغير معه الحوكمة العامة وحوكمة الشركات. اليوم تعمل التحولات البنيوية الكبرى مثل الثورة الصناعية الرابعة وتغير المناخ على إرباك كل صناعة أو مركز قوة. وتعمل تكنولوجيات مثل سلسلة الكتل على إحلال كيانات لا مركزية ومستقلة في محل المنظمات المركزية والهرمية. ومن الواضح أن فجوات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والرقمي آخذة في الاتساع.
في الوقت الحالي لا يزال عديد من القادة عالقين في عقلية رأسمالية المساهمين أو نموذج الحوكمة 2.0، في حين لا يزال بعض المجتمعات تفضل قيادة الرجل القوي وبنية الحوكمة 1.0، وما دامت جائحة كوفيد - 19 تشكل تهديدا، فستستمر عقلية الأزمات التي ميزت نموذج الحوكمة 3.0 في الهيمنة على مناقشات مجالس الإدارات ومجالس الوزارات.
لكن عديد من القادة يفكرون بالفعل ويتصرفون كرواد لعصر جديد من الحوكمة. ومن بينهم رؤساء تنفيذيون في مجال الأعمال يدعون إلى توظيف المقاييس البيئية والاجتماعية وتلك الخاصة بالحوكمة، وهناك قادة سياسيون من أمثال إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي وماريو دراجي رئيس الوزراء الإيطالي يكسرون الحدود. وفي المقام الأول من الأهمية يطالب الشباب بمستقبل أفضل.
يبادر أولئك الذين ما زالوا يستخدمون كتيبات الحوكمة من عصور سابقة إلى انتقاد هؤلاء القادة لعدم ثباتهم على مساراتهم. لكن ينبغي لنا أن نرحب بالقادة الذين يبحرون عبر منطقة مجهولة إلى حد كبير، ويتصرفون خارج نطاق مصالحهم واهتماماتهم الضيقة كرواد حقيقيين ويسوقون الحجج لمصلحة اتخاذ تدابير بعينها لمكافحة تغير المناخ ومعالجة الظلم الاجتماعي.
الواقع أن مقاييس الحوكمة المسؤولة المستجيبة اليوم تقيس إلى أي مدى يحتضن القادة مسؤولية أصحاب المصلحة ويرضون بتغليبها على مسؤولية المساهمين. رغم أن قياس مساءلة أصحاب المصلحة لا يزال في مهده، فسيساعد تطوير مقاييس متسقة على تمكيننا من الحكم ما إذا كان القادة يتبنون نظرة أوسع لأدوارهم ومسؤولياتهم أو غير ذلك.
سيجلب القرن الـ 21 عديدا من التحديات غير المسبوقة. وإذا كنا نريد أن ينظر أبناؤنا وأحفادنا إلى التقدم الذي أحرزناه في الماضي بالقدر ذاته من الرضا الذي شعرنا به في نهاية القرن الـ 20، فلا مناص من تطوير نموذج الحوكمة الذي نستعين به.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.