حياة رغيدة .. دروس من 3 دول «2 من 3»
قاد مايكل بانج بيترسن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة آرهوس، مشروعا يقوم على البيانات بهدف دراسة تعامل الدول الديمقراطية مع الجائحة واستجابتها لها. وأجرى المشروع مسحا على أكثر من 400 ألف شخص في الدنمارك وسبع دول أخرى. وأثبت أن الثقة الكبيرة والمستمرة في السلطات الصحية الدنماركية كانت من أهم أسباب نجاح الدنمارك. فحتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر)، حصل أكثر من 75 في المائة من المواطنين المستحقين على جرعة كاملة من اللقاح. وفي ذروة الجائحة، أجرى ما يزيد على 60 في المائة من السكان البالغين اختبارات أسبوعية للكشف عن الإصابة بالفيروس.
ويقول بيترسن: "شعرت بالقلق إلى حد ما إبان تنفيذ نظام الاختبارات. فهل سيعده أفراد الشعب تعديا على حقوقهم؟ لكنهم كانوا يقومون بالأمر من أجل بعضهم بعضا. هكذا رأوه. فقد أجروا هذه الاختبارات ليس إذعانا لتعليمات الدولة، بل لحماية الآخرين من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها سريعا".
وأسهمت تجربة الجائحة في تعزيز الثقة الكبيرة في البلد عموما، سواء من جانب المواطنين الذين يثقون في حكومتهم، حيث خلص المسح إلى أن أكثر من 90 في المائة من الدنماركيين يثقون بالسلطات الصحية الوطنية أو العكس.
ويضيف بيترسن قائلا، "هناك شواهد متزايدة على وجود علاقة قوية بين عمل المؤسسات السياسية والثقة المجتمعية. فالمواطنون يثقون أساسا ببعضهم بعضا عندما يشعرون أن المؤسسات السياسية ستقف إلى جانبهم في أوقات الأزمات".
على صعيد الحديث عن كوستاريكا ذات الحياة النقية، فإن "بورا فيدا" أو الحياة النقية هي عبارة غالبا ما ستسمعها في كوستاريكا. وهي تمثل نمط الحياة الهادئ الذي يعرف به هذا البلد وتعكس السبب وراء السعادة التي يشعر بها مواطنوه.
ويقول لويس ألبرتو فاسكيز كاسترو، عضو الكونجرس السابق عن مقاطعة ليمون في كوستاريكا، "إذا كنت تتمتع بالصحة ولديك عمل وتستطيع قضاء الوقت مع أصدقائك وعائلتك، فأنت إذن تحيا "حياة نقية".
وحسب تقرير السعادة العالمي لعام 2021، تأتي كوستاريكا في المرتبة الـ 16 بين الأماكن الأكثر سعادة على الإطلاق على وجه الأرض. وبخلاف الجمهورية التشيكية، تعد كوستاريكا اقتصاد السوق الصاعدة الوحيد المصنف ضمن أسعد 20 دولة. وهو قدر كبير من السعادة لكل دولار من إجمالي الناتج المحلي بالنسبة لبلد متوسط الدخل.
ويعزو ماريانو روجاس، أحد خبراء الاقتصاد في كوستاريكا، مستوى الرفاهية المرتفع الذي تحظى به البلاد إلى قوة العلاقات الاجتماعية والحس المجتمعي. "فالأشخاص ودودون، ووتيرة الحياة أبطأ. والمجتمع ليس مجتمعا تنافسيا يحاول فيه الجميع صعود السلم الوظيفي".
وتتمتع كوستاريكا أيضا بنظام رعاية اجتماعية قوي. فالمواطنون يحصلون على تعليم مجاني ومعاشات تقاعدية مضمونة من الدولة. وهي البلد الوحيد في أمريكا الوسطى الذي يحصل 100 في المائة من سكانه على الكهرباء ومصدر لمياه الشرب. وهي أيضا إحدى الدول القليلة في المنطقة التي تقدم تغطية صحية شاملة.
وتولي كوستاريكا الأولوية للصحة العامة منذ عقود بعيدة، حيث تضخ استثمارات ضخمة لاستهداف مسببات الوفاة والإعاقة التي يسهل الوقاية منها. وخلال السبعينيات، تجاوز حجم الإنفاق الوطني على الصحة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي مستواه في بعض الاقتصادات المتقدمة، بما في ذلك المملكة المتحدة.
وقد أتت هذه الاستثمارات ثمارها. فمع بداية عام 1985، كان العمر المتوقع في كوستاريكا هو الأطول على الإطلاق في أمريكا اللاتينية ومماثلا لمستواه في الولايات المتحدة. وتراجعت معدلات وفاة الأطفال من نحو 74 حالة وفاة بين كل ألف طفل عام 1970 إلى 17 مع بداية عام 1989. غير أن نموذج الرعاية الصحية الأولية هو ما يميز كوستاريكا عن غيرها.
وقد تم تنفيذ النموذج خلال التسعينيات استنادا إلى عقود من الخبرة مع البرامج الصحية في المناطق الريفية والمجتمعات المحلية، وأسهم في تغيير ثقافة تقديم خدمات الرعاية في كوستاريكا. وتقول ماريا ديل روسيو ساينز مادريجال، وزيرة الصحة السابقة في كوستاريكا: "يضمن هذا النموذج وصول خدمات الرعاية الصحية إلى المجتمعات المحلية".
فكل مواطن في كوستاريكا يخصص له فريق محلي من الأطباء والممرضين والطواقم الصحية المحلية لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية. ويقوم الطاقم الصحي بزيارة جميع الأسر في المنطقة التابع لها سنويا لتقييم الاحتياجات. ويتم جمع البيانات واستخدامها جنبا إلى جنب مع السجلات الصحية الإلكترونية لتحديد الأهداف ومتابعة التقدم المحرز وتوجيه الموارد إلى المناطق الأعلى خطرا.
وعندما استحدث النظام للمرة الأولى، كان يتم إرسال الفرق الطبية إلى المناطق الريفية الأقل استفادة من الخدمات الطبية قبل أن يتم التوسع إلى المراكز الحضرية. وتقول ساينز مادريجال: "سمح ذلك لكوستاريكا ببناء نظام معلومات قوي حول محددات الصحة، والأوضاع المعيشية للسكان. والأمر يتجاوز مجرد التعامل مع الأمراض. فالاستثمارات الصحية تعمل في البداية على تحسين الأوضاع المعيشية للسكان وجودة حياتهم. وتلك رؤية شاملة للغاية حول ماهية الصحة والسلامة".
وتشير الشواهد إلى نجاح النموذج. فقد حقق نتائج صحية باهرة، حيث ازداد العمر المتوقع من 75 عاما في 1990 إلى 80 عاما، أي: أعلى كثيرا مقارنة بالولايات المتحدة، رغم أن حجم الإنفاق الحالي على الرعاية الصحية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي أقل من المتوسط العالمي "7,3 في المائة مقابل 10 في المائة عام 2017".
ويؤمن روجاس بجدوى الرعاية الأولية. "فالأشخاص السعداء يعيشون حياة أطول. وسيمكن بالتالي تخفيض حجم الإنفاق. وكما أن الصحة من أسباب السعادة، فإن السعادة أيضا من أسباب الصحة". أيهما يتحقق أولا إذن - السعادة أم الصحة؟ تعتقد ساينز مادريجال أن من الخطأ طرح هذا السؤال.
وتضيف قائلة "لدينا في كوستاريكا ما نسميه بالعقد الاجتماعي. فأي حكومة تصل إلى سدة الحكم عليها أن تبني على ما حققته الحكومة السابقة أيا كانت توجهاتها. والخطأ الذي نرتكبه مرارا هو قولنا إن جميع ما فعلته الحكومة السابقة لا جدوى منه. فعادة ما يكون الإحلال أعلى تكلفة من البناء على ما هو موجود بالفعل. وإن كان الأمر يتطلب رؤية طويلة الأمد وإرادة سياسية"... يتبع.