رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


معادن حيوية وسجال جديد

لا تخلو العلاقة بين الولايات المتحدة والصين التي ينظر إليها كثيرون على أنها الديناميكية التي تحدد مواقع القوة العالمية في القرن الـ21، من المواجهات والخلاف، لكن نادرا ما تم التنافس على جبهات كثيرة حرجة مثلما هو الحال اليوم. فمن لعبة توجيه اللوم المرير على خط جائحة كورونا إلى تجدد الخلافات حول التجارة وتايوان وهونج كونج وفرض الرسوم الجمركية والتضييق على أنشطة الشركات بين الدولتين، كما تتصاعد التوترات بين واشنطن وبكين بشكل كبير للغاية حول مجموعة واسعة من القضايا الرئيسة، مع تزايد القلق الدولي بشأن تداعياتها المحتملة.
ويتعمق التوتر على الساحة التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وعلى عكس كل التوقعات لم يحدث أي انفراج في هذه العلاقات في أعقاب وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، على اعتبار أن سلفه دونالد ترمب، كان أشد الرؤساء الأمريكيين تصلبا تجاه العلاقة مع الصين واتهامها بنشر فيروس كورونا في العالم.
وهذا التوتر لا يختص بالجانب الاقتصادي بالطبع، فالخلافات السياسية والعسكرية تتصدر المشهد أيضا، بما في ذلك توسع نطاق النفوذ الصيني في منطقة آسيا. أي أن العلاقة الثنائية بين واشنطن وبكين مليئة بالملفات الخلافية، كما أنها تشهد تشددا من الطرفين، بصرف النظر عن آمال المسؤولين الصينيين التي تبخرت حيال إمكانية حل الخلافات ووقف الحرب التجارية، مع الإدارة الأمريكية الديمقراطية في الولايات المتحدة.
اليوم تضاف أزمة جديدة عبر ضغوط يمارسها أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي على إدارة بايدن، من أجل التقليل من اعتماد البلاد على وارداتها من المعادن النادرة، بهدف التخارج نهائيا من السوق الصينية في أسرع وقت ممكن. و"الشيوخ الأمريكي"، لا يطرح الأمر من زاوية اقتصادية فقط، بل سياسية أيضا، لأنه يربط كل حاجة أمريكية إلى سلعة صينية، بالحزب الصيني الحاكم، في إشارة واضحة إلى أن الخلاف ليس بين حكومتين، بل بين الولايات المتحدة وحزب عقائدي لا يمكن أن يتناغم مع السياسة الأمريكية عموما. وبعيدا عن هذه التوصيفات التي تطرح عادة لإعطاء هالة للخلافات، فالاعتماد الأمريكي على المعادن النادرة الصينية بات يقلق حتى الساحة الاقتصادية الأمريكية. أي أن القلق ليس حكرا على سياسيين في مجلس الشيوخ فقط.
وهذا التوتر ينبع من أن الولايات المتحدة تستورد النسبة الكبرى من احتياجاتها من هذه المواد من الصين. فالمعادن النادرة التي استوردتها من الصين 2019 "أو عام ما قبل أزمة كورونا" شكلت نحو 80 في المائة من إجمالي وارداتها، ويمكن لأي نقص فيها أن يؤثر بصورة خطيرة في نشاط الصناعة الأمريكية، لماذا؟ لأن هذا النوع من المعادن يستخدم أساسا في صناعة الأجهزة المعقدة والهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والأسلحة. إنها معادن حساسة لصناعات مهمة وحيوية. ومن هنا يروج السياسيون الأمريكيون الذين يؤيدون التشدد الدائم مع الصين، لمسألة ارتباط هذا الأمر بالأمن الوطني الأمريكي، وهذا الرابط، بصرف النظر عن مدى قوته، يستقطب مؤيدين على الساحتين السياسية والشعبية.
وكان لا بد من هذا الطرح، لأن النواب الأمريكيين الساعين إلى وقف الاعتماد على المعادن النادرة الصينية، تقدموا بالفعل بمشروع قانون تحت عنوان عريض هو "حماية أمريكا من خطر اضطراب الإمدادات بالمعادن النادرة". ماذا يستهدف القانون أيضا؟ تشجيع تصنيع هذه المعادن في الولايات المتحدة بوصفها مواد تخص الأمن الوطني، مركزين أيضا على المشكلات والاضطرابات التي تشهدها سلاسل التوريد حول العالم بفعل تفشي وباء كورونا. وبصرف النظر عن التحولات الأمريكية المستقبلية بهذا الشأن، تتمتع الصين بالريادة الدولية في هذا المجال الحيوي. فهي تنتج بمفردها 90 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي، ويقدر احتياطي المعادن النادرة لديها بأكثر من 44 مليون طن، إضافة إلى رخص تكاليف استخراجها وتصنيعها.
ولكن بإمكان الولايات المتحدة أن تتقدم في هذا المجال، فهي من أكثر الدول استهلاكا لهذا النوع من المعادن، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، خصوصا من جانب التكاليف التي تستقطب أي شركة إنتاجية أمريكية وغير أمريكية. ودون شك، فإن سيطرة الأمريكيين على هذه المواد، سيوفر ضمانا لهم، خاصة في الأزمات العالمية التي قد تحدث في أي لحظة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي