كبح التضخم أو تركه؟

لا يزال التضخم يثير القلق في الأوساط الشعبية والحكومية على الساحة العالمية، وسيبقى هكذا إلى حين الاقتراب من السيطرة عليه، وهي مهمة ليست سهلة في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي تراجعا في النمو، إثر انكماش دام نحو عام تقريبا، بفعل تفشي وباء كورونا.
معدلات التضخم ارتفعت بشكل ملحوظ على مستوى العالم خلال 2021، ولكن استمرار توقعات التضخم المرتفع يضع حياة الأفراد اليومية والشركات محل ضغوط مستمرة.
وعلى الرغم من أن أسباب تفاقم التضخم واضحة، إلا أن آفاق الظاهرة ومدى استمرارها في اقتصادات الدول محل خلاف وعدم يقين، وهو ما يضع مسار الاقتصاد العالمي خلال العام الجديد 2022 محل تساؤلات.
ويضغط التضخم بقوة إلى درجة أنه صار العامل المهدد الأقوى في بعض الدول للحكومات، مع وصوله إلى مستويات مرتفعة للغاية، ففي الولايات المتحدة زاد مستوى هذه الآفة لأعلى حد منذ أربعة عقود، وكذلك الأمر في بريطانيا، والاتحاد الأوروبي، وكثير من دول العالم ضربها تسونامي التضخم، ناهيك عن مستوياته المرتفعة أيضا في الدول الناشئة، وتلك التي توصف بالدول الأشد فقرا، أي أن التضخم ينال من كل الأسواق بصرف النظر عن قوة أوضاعها الحالية والمستقبلية.
ومن هنا يمكن فهم الإزعاج من التضخم في أوساط الناس، ويظهر بوضوح في استبيانات دورية تجري في هذا البلد أو ذاك، فهؤلاء يخشون على مواردهم ومدخراتهم، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي ضغوطا لا تنتهي بسبب متحورات كورونا، التي أدت أخيرا إلى إقدام كثير من الدول على إعادة فرض القيود تحصينا لمجتمعاتها.
تعيش الحكومات في الدول المتقدمة في حيرة من أمرها، بشأن ما إذا كانت ستقدم بسرعة على تشديد السياسات النقدية لها لكبح جماح التضخم، أو تتركها ميسرة مع تفاعل المتحور أوميكرون، الذي أربك المخططات الاقتصادية عامة، وانعكس بشكل خطير أيضا على أداء الأسواق العالمية، التي تعيش حالة من عدم اليقين بين الحين والآخر.
من الواضح أن التخلص من التضخم لن يكون سريعا، وهذه النقطة التي تخشى منها أي حكومة على وجه الأرض، بمعنى أن هذه الموجة ليست عابرة، خصوصا أنها لا تزال خارج السيطرة بشكل أو بآخر. ومن أهم الأسباب التي ستبقي التضخم حاضرا لفترة أطول التقديرات غير الصحيحة بشأن التعاطي مع الطاقة عالميا، ففي الأعوام القليلة الماضية، أقبل العالم على مصادر الطاقة المتجددة لتخفيف الاعتماد على النفط في إطار المحافظة على المناخ، عبر خفض معدلات الكربون المنبعث. والمشكلة أن عديدا من الحكومات بنت استراتيجيتها على أساس نهاية أسرع للنفط كمصدر أساسي للطاقة، عبر سلسلة من المشاريع الواعدة، لكن ذلك لم يكن منطقيا، ربما من فرط الحماس الزائد، أو من سوء التقدير حول آفاق الطاقة المتجددة أو النظيفة.
الذي حدث أن وتيرة التحول من الطاقة التقليدية إلى النظيفة كانت ولا تزال بطيئة، ناهيك عن تكاليفها المرتفعة في الوقت الراهن، ما أدى إلى ارتفاع طبيعي لأسعار البترول في الأسواق العالمية، وهو ما أسهم في رفع معدلات التضخم، خصوصا في الدول الأكثر استهلاكا لهذه المادة الحيوية المحورية.
صحيح أن هناك توجها عالميا للتخلص من الكربون، إلا أن الصحيح أيضا، أن تحقيق الهدف لن يكون سريعا، لأن العملية برمتها ليست سهلة، وأسعار الطاقة التقليدية النفط والغاز، تضغط بالفعل وترفع التضخم، ولذلك، لا أمل بنهاية سريعة له.
من هنا، يمكن فهم لماذا يحاول المشرعون الاقتصاديون في مختلف الجهات، التهرب من وضع خريطة طريق واضحة، أو على الأقل مفهومة للتخلص من التضخم في مدة زمنية محددة، فالضغوط كبيرة من كل الاتجاهات، ويكفي الضغط الآتي من قطاع الطاقة، لمنح آفة التضخم عمرا أطول.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي