استكشاف الفرص واستثمار الثروات
انطلقت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 في 2016، وهي تحمل في طياتها عديدا من البرامج التي يعقد عليها المجتمع السعودي الآمال الضخمة والمتنوعة في سبيل العبور نحو اقتصاد مستدام مزدهر، وفق مفاهيم جديدة لتطبيق نظريات الاقتصاد. ولكن هذه الانطلاقة لم تكن سهلة على كل حال، فهناك عديد من العقبات التنظيمية والهيكلية، التي كان لا بد من إنجازها وبسرعة حتى ينطلق الاقتصاد والمجتمع نحو البرامج الطموحة الرحبة المليئة بالإنجازات والأرقام التي تعود إلى الاقتصاد الوطني بالمنفعة والدعم.
ولقد كان لتطوير الصناعات الوطنية أهم المرتكزات التي تقوم عليها فكرة الاستدامة، لكن مع ذلك فإن الاعتماد الكبير على القطاع النفطي عطل لعقود عجلات تحرير هذا القطاع وتوسعه بشكل يتناسب مع إمكانات الاقتصاد السعودي وما يمتلكه من ثروات، ولهذا جاء برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية أحد أهم برامج الرؤية، وارتكز هذا البرنامج على تطوير أربعة قطاعات، وهي الطاقة، والتعدين والصناعة والخدمات اللوجستية، مع اهتمام بارز بقضايا المحتوى المحلي آخذا في الحسبان مفاهيم الثورة الصناعية الرابعة، وأن الهدف من هذا البرنامج الضخم هو تحويل السعودية إلى قوة صناعية كبرى في مجالي الطاقة والتعدين بشكل خاص، وأن تصبح منصة لوجستية عالمية.
وتأتي أهمية التعدين في البلاد من حجم الثروة الاقتصادية التي تحتضها الأرض السعودية المقدر حجمها بـ1.3 تريليون دولار وتوفر تنوعا خصبا، يمكن استثماره بكفاءة عالية لتحقق أمانا كافيا في المواد الخام، وأيضا دعما لا محدودا للصناعات التحويلية، وتنويعا وجودة في الاقتصاد، لكن هذا الطموح قابلته تحديات كبيرة تمثلت أولا في تدني مستوى الاستكشاف، وهي الخطوة الأساس في بناء سلسلة القيمة، عليها تعتمد كل الخطوات التالية، سواء في تطوير المناجم، أو في زيادة الإنتاج، ومعوقات أخرى مثل قلة المطورين المحليين، نظرا إلى ضعف العوائد.
وفي مواجهة هذه التحديات تبنت الدولة الاستراتيجية الشاملة لقطاع التعدين والصناعات المعدنية ضمن برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية التي تضمنت 42 مبادرة تهدف إلى رفع إسهام القطاع في الناتج المحلي وصنع وإيجاد الفرص الاستثمارية والوظائف للمواطنين، ومن أهم تلك المبادرات تطوير نظام للاستثمار التعديني وتأسيس شركة سعودية لخدمات التعدين، والعمل على تطوير الإجراءات التشجيعية للاستثمار في القطاع، وإطلاق منصة إلكترونية لإصدار التراخيص التعدينية، وإطلاق أكبر برنامج مسح جيولوجي من نوعه في العالم، إضافة إلى عديد من المبادرات النوعية. وهذه الجهود التي أنجزت خلال وقت قصير، تمثل بذاتها تحديا.
تشير البيانات إلى أن عدد المجمعات المحجوزة ومناطق الاحتياطي التعديني في السعودية بلغ 431 موقعا، فيما بدا أن الحراك في قطاع التعدين يتسارع بشكل لافت، حيث بلغ عدد الرخص التعدينية حتى الآن 1967 رخصة للاستطلاع والكشف.
وتأتي هذه الإنجازات مع إتمام إطلاق مبادرة الاستكشاف المسرع لإجراء المسوح وتقييم مواقع المعادن التي ستشمل ما يزيد على 50 موقعا معتمدا، والبدء بتنفيذ مبادرة مشروع المسح الجيولوجي العام لتغطية 600 ألف كيلو متر مربع في منطقة الدرع العربي.
كما تم تدشين منصة تعدين التي تقدم خدمات متنوعة للمستثمرين، وقاعدة للبيانات الجيولوجية.
ويأتي الحديث عن هذه الإنجازات الملموسة في قطاع التعدين مع انطلاقة أعمال مؤتمر التعدين الدولي برعاية من خادم الحرمين الشريفين، ويتضمن من بين أعماله اجتماعات الطاولة المستديرة بحضور الوزراء العرب وعدد من الوزراء المعنيين بقطاع التعدين من مختلف دول العالم، يمثلون 30 دولة لإتاحة الفرصة للمستثمرين وشركات التعدين والأطراف المعنية بقطاع التعدين على مستوى العالم، ما يمنحهم فرصة واسعة لقراءة أفضل لإمكانات وفرص قطاع التعدين في السعودية التي تتميز بموارد معدنية غنية توفر فرصا هائلة للاستكشاف والتطوير، وعلى مدار يومين لجلسات وورش عمل مؤتمر التعدين الدولي سيشارك في فعالياته ألفا شخص من 100 دولة و150 من كبار المستثمرين العالميين و100 متحدث دولي بارز بينهم عدد من الوزراء المعنيين بقطاع التعدين وقادة الاستثمار التعديني على مستوى العالم، وقادة القطاعات المالية، ورؤساء كبرى شركات التعدين، من مختلف الدول.
هذا العدد من الحضور والمشاركين والزخم الذي يصاحبه يدل على حجم الاهتمام العالمي بالسوق السعودية والثقة بها. كما يؤكد ذلك سلامة المنهجية الاقتصادية تجاه قطاع التعدين السعودي وفق ما يتم التخطيط له مستقبلا لاستثمار هذا القطاع بشكل إيجابي ويصبح أكثر إنتاجية وتفاعلا مع دعم الناتج المحلي، وأن الخطوات التي اعتمدتها الحكومة تؤتي ثمارها لتعزيز القيمة المضافة لهذا القطاع وصولا إلى المستهدف بأن يبلغ إجمالي مساهمته أكثر من 64 مليار دولار بحلول 2030.