الفائدة والرساميل والأمان المالي

يمر الاقتصاد العالمي بفترة مضطربة، ومقلقة، في ظل تذبذب مؤشرات النمو، حتى بعد أن عاد النمو العام الماضي إلى الساحة. وهذه الحالة أثرت بصور مختلفة في كل الأسواق الناشئة، والمتقدمة، إلى جانب طبعا الدول التي تصنف بالأشد فقرا. ولا توجد مؤشرات عملية حاليا تدل على أن الفترة المضطربة هذه ستنتهي قريبا، خصوصا في ظل عدم وضوح الرؤية بشأن القضاء على جائحة كورونا ومتحوراتها، فضلا عن اضطرار عدد كبير من الدول إلى إعادة فرض بعض القيود، من أجل توفير الحماية الصحية لسكانها.
الأجواء الاقتصادية الراهنة أحدثت متغيرات على الساحة، نالت من الحراك برمته، ولا سيما فيما يرتبط بالأسواق المالية التي تعيش عن قرب حقيقة الحالة الاقتصادية، فهذه الأسواق، وتحديدا الناشئة منها، شديدة الحساسية حيال أي أزمة، أو اضطراب أو مشكلة، لأنها مرتبطة بالرساميل والاستثمارات المباشرة عموما.
وسط هذا المشهد تتحضر الأسواق الناشئة إلى هزة جديدة على صعيد خروج نسبة من الرساميل منها. لماذا؟ لأن "الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي" يستعد للإقدام على خطوة طال انتظارها برفع الفائدة، بعد أعوام من اتباعه استراتيجية التيسير النقدي، علما بأن بعض الجهات العالمية تعتقد ضرورة التروي قليلا مع الانتشار الراهن لمتحور أوميكرون عالميا. المشكلة هنا بالنسبة إلى الاقتصادات الصاعدة، أنها تواجه تباطؤا في التعافي من الأزمة التي تركتها جائحة كورونا، على عكس الاقتصادات المتقدمة التي تقدمت بأشواط في مسألة التعافي، بصرف النظر عن التطورات الأخيرة المرتبطة بالمتحور الجديد، ولا شك أن الدول المتقدمة قادرة على مواجهة تبعات سياساتها المالية التي اضطرت إليها خلال فترة الأزمة، في حين سيكون الأمر صعبا على الأسواق الناشئة.
في الأسواق الصاعدة هناك محدودية للحيز المالي المتاح لها، ما يقلل من حراكها بطرح دفعات تحفيزية، ومن هنا، فإن ارتفاع الدولار سيدفع بخروج الرساميل بوتيرة أكبر، مع ضرورة الإشارة إلى أن تدفق الرساميل إلى الأسواق الصاعدة تراجع بقوة في الفترة الماضية.
الخوف حاليا يكمن في أن يتكرر المشهد الذي حدث 2013، ووفقا للبنك الدولي فقد أدت وقتها مؤشرات مبكرة للتراجع عن عمليات شراء السندات الأمريكية، إلى اندفاع تدفقات رأس المال إلى خارج الأسواق الصاعدة. وإن العوامل لخروج الرساميل من هذه الأسواق، لا تتوقف عند هذا الحد، فهناك مؤشرات سلبية أخرى تتفاعل على الساحة، وليس هناك أمل في انتهائها في وقت قريب أيضا، تتقدمها التوترات السياسية بين الدول الكبرى، وهذه التوترات نشرت الخوف في أوساط المستثمرين في الأسواق الناشئة، التي تقل فيها معايير الأمان المالي مقارنة بنظيراتها الغربية.
لم تنه الأزمة الناجمة عن جائحة كورونا الخلافات الاقتصادية في عدد من الدول المؤثرة في الحراك الاقتصاد العالمي، ما عمق الأزمة أكثر، وانعكس بصورة أخطر على أوضاع الأسواق الناشئة، فضلا عن الدول الفقيرة، والأشد فقرا، التي لا تزال تتعرض لضغوط اقتصادية عنيفة بسبب تداعيات هذه الجائحة.
ويبدو واضحا أن الفجوة بين الاقتصادات الصاعدة والمتقدمة ترتفع، ما يضرب كل مخططات تقليصها عبر التعاون المباشر، من خلال مشاريع تعاونية، وتنموية، واستثمارية، وتجارية مختلفة، ولا يمكن في ظل الخلافات الراهنة التي تسود الساحة منذ أكثر من خمسة أعوام على الأقل تحقيق مستوى من التقارب بين أقطاب الاقتصاد العالمي، خصوصا مع ارتفاع مستوى الحمائية عند معظم الأطراف.
ستكون الفترة المقبلة حرجة بالنسبة إلى الاقتصادات الصاعدة، فهي تعتمد بصورة كبيرة على الرساميل المتدفقة إليها، في حين تتغير السياسة التقليدية الأمريكية المستندة إلى الفائدة الأقرب إلى الصفر، وتسير باتجاه مختلف، وهو ما يغير كثيرا حتى في مسارات الاقتصاد العالمي عامة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي