شراء الأصول في الأسواق الصاعدة والمخاطر «1 من 2»
برامج شراء الأصول يمكن أن تكون أداة فعالة غير أن من الضروري تقليل ما يصاحبها من مخاطر على استقلالية البنك المركزي واستقرار الأسعار. وعلى مدار العقدين الماضيين، حققت البنوك المركزية في الأسواق الصاعدة تقدما ملحوظا في إرساء المصداقية اللازمة لإدارة سياسة نقدية معاكسة لاتجاه الدورة الاقتصادية. وأثناء أزمة كوفيد - 19، لم يقف كثير من هذه البنوك عند إجراء خفض حاد في أسعار الفائدة وحسب، بل استخدمت أيضا مجموعة من الأدوات لاستعادة سير العمل في السوق، ومنها برامج شراء الأصول. وبينما ينظر بعض هذه البنوك حاليا في اللجوء إلى تشديد أكبر لموقف السياسة النقدية، فإن الاستخدام المرجح لأدوات السياسة النقدية هذه مجددا في المستقبل هو أمر يستحق نظرة أعمق.
وخلال الأعوام السابقة كان الطبيعي هو أن يكون شراء الدين الحكومي عملا من أعمال البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة بشكل أساسي. لكن للمرة الأولى على نطاق واسع دخلت البنوك المركزية في دول مثل جنوب إفريقيا وبولندا وتايلند مجالا غير مطروق من خلال استخدام برامج شراء الأصول لمكافحة الخلل في عمل السوق.
وبينما نجحت الإجراءات التي اتخذتها هذه الاقتصادات في تخفيف ضغوط السوق فإن صناع السياسات لديها ولدى غيرها من الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية يتعين عليهم النظر في اعتبارات مهمة أخرى وهم يشقون طريقا إلى المستقبل.
ومن الاعتبارات الرئيسة في هذا الصدد ما إذا كان ينبغي للنظر إلى برامج شراء الأصول باعتبارها استجابة استثنائية إزاء أزمة كوفيد - 19، أم إضافة أكثر دواما إلى أدوات سياستها النقدية. وفي الوقت ذاته، ينبغي اجتياز مخاطر تراوح بين هيمنة المالية العامة وتسييل الدين الحكومي من ناحية والإفراط في المخاطرة من ناحية أخرى.
وترد مناقشة مفصلة حول هذه القضايا وغيرها في دراسة أعدها خبراء الصندوق أخيرا. ونلخص فيما يلي استنتاجات هذه الدراسة ونطرح بعض الإرشادات الأولية بشأن فحواها.
وبشأن برامج شراء الأصول فإن أدوات مفيدة تقترن بمخاطر فقد كان هناك عزوف من جانب البنوك المركزية في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية عن استخدام برامج شراء الأصول في الأزمات السابقة خشية حدوث رد فعل عنيف من جانب السوق. وقد تبين أن شراء الأصول على نحو موجه في هذه الدول أثناء أزمة كوفيد - 19 ساعد على تخفيف الضغوط في الأسواق المالية، دون التعجيل بخروج تدفقات كبيرة من رأس المال أو فرض ضغوط على سعر الصرف.
وتشير هذه التجربة الإيجابية بوجه عام إلى أن هذه البنوك المركزية ستنظر أيضا في إجراء عمليات شراء الأصول في فترات الاضطراب السوقي المستقبلية، كما نتناول بالنقاش في إصدار نشر أخيرا من تقرير الاستقرار المالي العالمي.
غير أنه رغم المساعدة التي يمكن لبرامج شراء الأصول تقديمها للبنوك المركزية في تحقيق الأهداف المنوطة بها، فإنها تفرض أيضا مخاطر كبيرة. ومن المخاطر الواضحة في هذا السياق ما تتعرض له الميزانية العمومية للبنوك المركزية ذاتها. فالبنوك المركزية يمكن أن تخسر أموالا إذا اشترت سندات دين سيادي أو دين شركات وقت انخفاض أسعار الفائدة عبر مختلف آجال الاستحقاق، ثم ارتفعت أسعار الفائدة الأساسية بدرجة حادة. وقد يتسبب ضعف الميزانية العمومية في جعل البنك المركزي أقل رغبة أو قدرة على تحقيق الأهداف المنوطة به عندما يكون تشديد السياسة النقدية مطلوبا بسبب المخاوف من احتمال إضرار الإجراءات اللازمة على مستوى السياسات بمركزه المالي.
وهناك مخاطرة أخرى وهي هيمنة المالية العامة، حيث تفرض الحكومة ضغوطا على البنك المركزي كي يعمل على تحقيق أهدافها. وبالتالي، فبينما قد يشرع البنك المركزي في عمليات لشراء الأصول وفقا للأهداف المنوطة به قد يجد صعوبة في وقف العمل بها. وهناك احتمال كبير أن تعتاد الحكومة الحصول على تمويل زهيد التكلفة من خلال إجراءات البنك المركزي فتمارس ضغطا عليه للاستمرار فيها، حتى إن ارتفع التضخم وكان تحقيق هدف الاستقرار السعري يستلزم وضع نهاية لعمليات الشراء هذه. وبالتالي، تصبح الثقة مفقودة في قدرة البنك المركزي على إبقاء التضخم منخفضا ومستقرا، ما يمكن أن يعجل بفترات من التضخم المرتفع والمتقلب.