استثمارات 2022 بملامح 2021

في بداية كل عام تظهر تساؤلات مختلفة ومتنوعة بشأن اتجاهات الاستثمارات العالمية والتدفقات النقدية، تلك التدفقات التي تتجه في شكل شراء أدوات الدين أو أسواق الأسهم، فضلا عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشركات والمشاريع. وفي منتصف العام الماضي وصل الاستثمار الأجنبي العالمي المباشر إلى ما يقدر بنحو 852 مليار دولار، ما يدل على حدوث انتعاش أقوى مما كان متوقعا، وذلك وفقا لتقرير نشرته "أونكتاد" الذي عاد ليتحفظ بهذه النتائج من حيث إنها تخفي تباينا متزايدا في نوعية هذه التدفقات بين الاقتصادات المتقدمة والنامية.
من وجهة نظر خبراء اقتصاديين استطلعت "الاقتصادية" آراءهم، فإن تدفقات الاستثمار العالمي هذا العام ستحمل في طياتها بعض الملامح الاستثمارية للعام الماضي، وأبرزها هذا التباين الآخذ في الارتفاع في عالم الاستثمار الأجنبي الذي ظهر في شكل انخفاض حاد شهدته أفقر دول العالم مقارنة بالدول المتقدمة، والسبب في ذلك كما يقرأه الخبراء يعود إلى أن معدلات التطعيم لا تزال متخلفة عن الركب في دول العالم النامي، ما يعوق الاستثمار والانتعاش الاقتصادي فيها، وهذا الأمر يضعنا أمام حقيقة أن الإقبال على التطعيم ومكافحة انتشار المرض يعد التزاما وطنيا ومسؤولية كبرى، فهي لم تعد مسألة قرار شخصي بقدر ما لها من آثار وأبعاد اقتصادية جمة.
وأكدت التقارير وآراء الخبراء أنه من المرجح أن التفاوت المتزايد بين قابلية الدول المتقدمة أو الاقتصادات الناشئة التي قامت بعمليات تطعيم واسعة النطاق والدول النامية في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ستواصل التفاقم هذا العام، وهذا الوضع سيترك عواقب وخيمة على الدول ذات الدخل المنخفض في العالم، حيث يعد الاستثمار الأجنبي المباشر عاملا أساسيا في تنميتها الاقتصادية.
جزء كبير من الثقة العالمية بأي اقتصاد أصبح اليوم يتركز في مسألة عدم العودة إلى الإغلاقات والاحترازات الصحية، ذلك أن مثل هذه الإجراءات تقود عموما إلى تراجع الاستهلاك وتحول المجتمعات نحو المبالغة في الادخار، ما ينعكس على العوائد عموما، كما أن الاحترازات تقود إلى تعثر عديد من المشاريع، وبالتالي تعطل فرص العمل المحلية والقيمة المضافة للسلع المصنعة. ورغم أن التباين سيكون مضرا بشكل أعلى للدول الأقل نجاحا في تحقيق معدلات تطعيم جيدة، فإن أثر ذلك في حركة الاستثمار العالمية سيكون محدودا وستجد الثقة في مجال البنية التحتية، أكثر منه في القطاعات الصناعية التي لا تزال متأثرة بالمتحورات التي تظهر من الوباء من حين إلى آخر، وكذلك القصور الراهن في سلاسل التوريد، وهذا ما أكده خبير مالي في بورصة لندن من أن الانتعاش غير المتكافئ في التدفقات الاستثمارية تعود أسبابه إلى تفاوت رؤية المستثمرين للقطاعات التي يجب أن تنصب عليها استثماراتهم. وفي وقت تعد قطاعات البنية التحتية أكثر جاذبية، فإن القطاعات الصناعية واللوجستية قد لا تتمتع بجاذبية مماثلة حتى يستعيد الاقتصاد الدولي عافيته التامة.
وفي سياق مختلف، فإن المشاريع الكبرى التي تدعم الاقتصاد الأخضر والمتصلة بالمناخ أو البيئة، مثل مشاريع الطاقة المتجددة، تعد أساسا لدعم الثقة وتقدم فرصا كبيرة للاستثمارات الأجنبية، لأنها تدعم الاتجاه السائد بشأن الاستدامة البيئية والاقتصادية، لكن بالتأكيد، فإن هذه التباينات وتقلص الثقة بعديد من القطاعات بسبب المتحورات يعزز التنافسية العالمية في قطاعات محدودة، ما يقلل العوائد الموزعة.
لكن ليست التحديات التي تواجه المستثمر العالمي محصورة في القطاعات والدول الأكثر تأثرا بمتحورات كورونا، بل إن التباينات ستكون أكبر نتيجة التغييرات في الساحة الاقتصادية الدولية، وتشير آراء الخبراء إلى أن تراجع العوائد في الصين والولايات المتحدة وتصاعدها في اليابان وأوروبا يعود إلى نتيجة السياسة النقدية التي تتبناها البنوك المركزية. فوفقا لرأي أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة باث، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين سيستمر في اتجاه التباطؤ الذي بدأه منذ 2017، أما في الجانب الأمريكي فإن التوقعات القوية بشأن تعديلات السياسات النقدية تعزز التنبؤات بشأن انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500، 5 في المائة هذا العام.
إن هذا الوضع المتأزم في الصين والولايات المتحدة تقابله توقعات بارتفاع الأسهم اليابانية 12 في المائة في 2022، وتحقيق الأسهم الأوروبية عائدا 8 في المائة، وهذا يعود إلى سياسات التحفيز الاقتصادي في اليابان وتواصل النفقات الرأسمالية القوية والضخمة من قبل الحكومة، بينما يعود السبب في الجانب الأوروبي إلى عمليات الاستحواذ والاندماج وتنامي عمليات إعادة الشراء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي