رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الوباء ينهك مفاصل الحياة

أصاب فيروس كورونا الاقتصاد العالمي بأسوأ أزمة غير مسبوقة، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وشل حركة ومؤشرات نموه، كما عطل معظم القطاعات التجارية في كل دول العالم دون استثناء، وألغى كثيرا من الجوانب المجتمعية للشعوب بسبب القيود الصحية الاحترازية على تحركات الناس. وسرعان ما تفشت جائحة فيروس كوفيد - 19 في العالم، وبسبب هذا الوباء، عمت المعاناة، وتعطل مجرى حياة الملايين، وأصبح الاقتصاد العالمي مهددا، بسبب الخطر الكبير الذي يشكله الفيروس، وبالتالي اتحدت جهود البشرية للعمل من أجل القضاء عليه، بالنظر إلى أن الجهود التي بذلتها الدول بشكل أحادي من أجل التصدي له لم تكن كافية.
حتى الدول الغنية ذات النظم الصحية القوية رزحت تحت وطأة الضغط، في حين وصلت موجة هذه الجائحة إلى دول تعاني أصلا أزمات إنسانية، ناجمة عن النزاعات، والكوارث الطبيعية، وتغير المناخ، واضطر فيها الأشخاص للفرار من ديارهم بسبب الصراعات والحروب والنزاعات الداخلية، أو العنف، أو الفيضانات، فتجدهم يعيشون تحت أغطية بلاستيكية في الخلاء، أو محشورين في مخيمات اللاجئين، أو المستوطنات غير الرسمية، وليست لديهم مساكن يمارسون فيها التباعد الاجتماعي، أو الانعزال، وقد أصابهم الجوع والفقر في الأساس، كما أنهم يفتقرون إلى المياه النظيفة للغسل والتعقيم، بوصف ذلك أبسط وسيلة لحماية أنفسهم من الفيروس.
ورغم هذه الصورة السيئة لتداعيات الجائحة كان العالم يأمل في أن تشهد بداية العام الجديد النهاية الحاسمة لفيروس كوفيد - 19، عقب نحو عامين من انتشاره، ومروره بمحطات مختلفة، لكن الأمر لم يحاك تلك الآمال، بفعل عدة متحورات عطلت في الواقع مسيرة النمو، أو جعلتها بطيئة، كما أنها أعادت أجواء الإغلاق إلى عدد من الساحات المحورية.
ولا شك في أن العالم لم يعد كما كان قبل تفشي هذا الوباء الذي أتى فجأة، وانتشر بعنف ليشمل كل بقعة على وجه الأرض. لكن هل ظهرت ثقافة جديدة على الساحة الدولية؟ الجواب بالتأكيد نعم، وهذه الثقافة شملت كل شيء، بما في ذلك التعاطي بين أفراد المنزل الواحد، إلى جانب الأسواق والقطاعات الاقتصادية المختلفة، فضلا عن التعليم، وغير ذلك من أدوات الحراك الاقتصادي والمجتمعي العام في هذا البلد أو ذاك. كما اتضح زيادة الاستخدام العالمي لوسائل التواصل الإلكتروني في مناحي الحياة المعيشية والاجتماعية، ونشطت حركة التجارة الإلكترونية واستخدام التقنية في الاجتماعات، وتوصيل احتياجات الناس اليومية.
كما تعرضت كل القطاعات مع استثناءات بسيطة جدا لضربات الوباء، كما تلقت دول منخفضة ومتوسطة الدخل ضربات أقوى من غيرها، لأن النمو فيها توقف تماما في ذروة كوفيد - 19، وارتفعت أعباء الديون عليها، إلى جانب بالطبع زيادة معدلات الجوع فيها على الرغم من أن برامج الأمم المتحدة الإنمائية حققت قفزات نوعية في هذا المجال على مدى عقدين من الزمن. وأسهم اضطراب وتعطل سلاسل التوريد والمساندة اللوجستية في تعميق أزمة هذه الدول، التي تعتمد أساسا على تسهيلات تجارية من معظم الدول القادرة اقتصاديا، وهذا كان طبيعيا مع دول كانت في مرحلة البناء الاقتصادي، الذي شهد بالفعل دعما قويا من دول مجموعة العشرين. كما تبين أن مستويات الفقر ارتفعت بفعل الوباء حتى في الدول المتقدمة.
الجائحة العالمية التي لا تزال حاضرة بمتحوراتها، فتحت المجال بشكل واسع وأعطت دفعة كبرى للتجارة الإلكترونية، بينما تعرضت التجارة التقليدية المعروفة للتراجع، وكان أمرا مفهوما، في ظل اضطرار العالم إلى إغلاق الأسواق، للوقوف في وجه الوباء والحد من انتشاره، فضلا عن إغلاقه حتى المدارس واللجوء إلى أساليب التعلم عن بعد، وإيقاف العمل من المكاتب واعتماده عن بعد.
وبسبب توقف نشاطات الأعمال في معظم القطاعات الاقتصادية والتجارية فقد تم إلغاء نحو 225 مليون وظيفة دائمة، وفقا لتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة.
إن هذه التحولات - والمشاهد السلبية أوجدت ثقافة جديدة لا تشبه تلك التي كانت سائدة قبل كوفيد - 19، إضافة إلى متغيرات كثيرة في قطاعات أخرى، فالقطاع الصحي مثلا أظهر حتى في الدول المتقدمة أنه ليس قادرا بما يكفي على مواجهة جائحة بهذا الحجم، واضطرت بعض الدول للاستعانة بالجيش والمتطوعين، وجمعيات المجتمع المدني لسد فجوات النقص المخيفة. الأضرار كانت ولا تزال كبيرة، وشملت كل شيء تقريبا، ولا سيما قطاع السفر والسياحة والنقل، والضيافة، والفنادق، الذي كان أول الضحايا، فضلا عن القطاعات المساندة مثل الطيران والمطارات ووسائل النقل، وغير ذلك.
ويبدو واضحا أن هذا القطاع بكل روابطه لن يعود إلى ما كان عليه بعد أن سجل خسائر فادحة، وإن تم ذلك على المدى الطويل سيكون وفق "ثقافة كورونا"، بقيودها ومحاذيرها وقوانينها وإرباكها.
إنها ثقافة غيرت كثيرا في كل الساحات تقريبا، وجزء كبير من هذه المتغيرات لن يزول من المشهد حتى لو تم التخلص من الفيروس نهائيا. كما أن هناك أعباء ستظل موجودة على الساحة لفترة لن تكون قصيرة، مرتبطة بالتنمية التي يحتاج إليها العالم في كل دوله بصرف النظر عن التمايز في قوتها.
المهمة ستكون صعبة، وستتطلب من العالم أن يكون أكثر تجانسا في معالجة تبعات كوفيد - 19 الصحية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية المستقبلية. ولا شك في أن حكومات العالم تدرك مدى حجم وفداحة المشكلات التي أوجدها الوباء، الذي يختلف عن أي أوبئة سابقة أخرى، وبالتالي فهي تحتاج الآن إلى خطط اقتصادية مبتكرة وفاعلة لتجاوز الأزمات، والنهوض من جديد، وتلافي تكرار العثرات السابقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي