مفارقات التضخم والاختبار الصعب
بينما يحاول العالم الخروج من تداعيات جائحة كورونا ومتحوراتها، فرض التضخم المالي نفسه على واحدة من أكبر اقتصادات العالم، حيث تشهد الولايات المتحدة ارتفاعا هائلا في الأسعار، ما أعاد الأسواق الدولية إلى دائرة القلق من ركود إجباري، وآفات اقتصادية أخرى. ومن هنا بات واضحا أن العالم يواجه أزمة تضخم كبرى في أسعار المستهلك، دون أن يكون هناك حل جماعي لها، إذ ستحاول كل دولة إيجاد مخرج لها بعيدا عن حسابات واحتياجات الدول الأخرى. ولذلك، فإن الأجواء العالمية حيال التضخم ليست واضحة تماما، وربما كانت الأكثر غموضا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت 2008.
الكل يحاول نشر التفاؤل في هذا الميدان الذي يخيف الحكومات بصورة كبيرة، لأن التضخم لا يرتبط فقط بطبيعة النشاط الاقتصادي في كل الاتجاهات، بل يتصل بشعبيتها على الساحة الوطنية.
ويبقى الهدف الأول دائما هو السيطرة على التضخم الذي يعد من الناحيتين الاقتصادية والسياسية آفة، ينبغي التعامل معها وفق هذا التوصيف. التضخم الراهن ملتبس ومرتبك، لماذا؟ لكونه ارتفع إلى مستويات عالية للغاية، وسط أزمة عالمية لم تنته بعد، ففي الولايات المتحدة وبريطانيا - مثلا - قفز التضخم إلى أعلى مستوى منذ أربعة عقود تقريبا، والأمر ليس أفضل أيضا في منطقة اليورو.
وبالفعل، يسيطر التضخم حاليا على المشهد العالم من كل جوانبه الاقتصادية، والمالية، سيتراجع بالطبع، إلا أنه ليس هناك اتفاق على موعد بدء تراجعه، لماذا؟ بسبب عدم وضوح الرؤية بعد في مواجهة فيروس كوفيد - 19، ومتحوراته الجديدة المستمرة في انتشارها، حيث يواصل إرباك الأسواق، وكذلك الحكومات التي تتجه إلى وقف شرائها للأصول أو على الأقل تخفيض وتيرة الشراء، وتغيير سياستها التي تستند إلى الإبقاء على مستويات الفائدة عند أدنى مستوى، والإقدام على رفعها تدريجيا.
وسط هذا المشهد الحرج، من المرجح أن يبقى التضخم فترة أطول، خصوصا إذا ما اضطرت الحكومات إلى مراجعة مخططاتها بشأن الأصول والفائدة، مع ضرورة الإشارة إلى أن النمو يشكل محورا آخر للقلق لدى جميع الدول، فهذا النمو الذي تحقق في العام الماضي مهدد هذا العالم بتأثيرات متحورات الفيروس الجديدة، ولا سيما أوميكرون.
الأسواق ومعها الحكومات تعمل بكل طاقاتها لخفض التضخم، لكن السؤال يبقى، هل بإمكانها أن تقوم بهذا الخفض بمجرد أنها قررت ذلك؟ بالتأكيد لا يتراجع التضخم بقرار فوري، لكن الأهم من العمل على تراجعه لا بد من السيطرة عليه، ففي عدد من الدول يخرج عن السيطرة، وبالتالي يضاعف ما يمكن تسميته بفوضى الحراك الاقتصادي، وهنا تظهر مشكلة أخرى تتعلق بمدى ثقة المستثمرين باقتصاد يعاني التضخم، ومستوى قناعاتهم بأن الجهات المعنية يمكنها السيطرة عليها، في إطار مساعيها إلى إزالته.
المثير في الأمر، أن كل الحكومات، سواء في الدول الناشئة أو المتقدمة، لم تتعامل بجدية مع التضخم طوال الأعوام الماضية، لكن مع التداعيات التي حدثت في الفترة الماضية أخذت تتحرك، فعمليات الضخ المالية التي حدثت في العامين الماضيين، عبر حزم إسناد، أو إنقاذ، أسهمت في تشويش المشهد العالمي، ما دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى وضع مخططات وقف شراء الأصول، مع رفع الفائدة، بصرف النظر عن مستوى هذا الرفع. المشكلة هنا مركبة ومعقدة في الوقت نفسه، فتراجع التضخم عبر الوسائل المعتادة، حتى إن كان مطلوبا وسيؤثر إيجابا في تراجع أسعار السلع والخدمات، إلا أن له أيضا تأثيرات سلبية في الحراك الاقتصادي، الأمر الذي يجعل العملية تحتاج إلى سياسات مالية متوازنة.
حقيقة، إن الحكومات في الوقت الراهن أمام امتحان صعب، وهي تخشى من انخفاض التضخم بصورة غير منضبطة، لكن المشكلة برمتها تنحصر حاليا بضرورة تشديد السياسة النقدية عالميا، ولا سيما الأمريكية منها، وتوفير قوة دفع قوية للحراك الاقتصادي من أجل توليد النمو المطلوب عالميا، وبالتالي فإن الأمر كان من الممكن أن يكون أكثر سهولة، في حال لم تكن هناك تبعات لوباء، أو أزمة صحية عالمية انفجرت فجأة، ودون سابق إنذار.