رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لنموذج صحي بكفاءة وجودة

انطلقت خطط التنمية الخمسية في خطتها الأولى 1390، وكان القطاع الصحي يجد فيها أولوية في التخطيط والعمل، وبلغ عدد الأطباء حينها 1020 طبيبا، يساعدهم 2400 فني مختص، ولم تتجاوز مساهمة القطاع الصحي في الناتج المحلي 2.4 في المائة، وكانت الأهداف الأساسية خلال تلك الفترة تتركز حول تنمية القوى العاملة في القطاع، والتوسع في الخدمات مع الاهتمام بقضايا مثل النظافة، والخدمات، والصيانة، والتموين.
وبدأ الاهتمام بالرعاية الصحية الأولية مبكرا منذ الخطة الخمسية الثانية، حيث بلغ عدد المراكز الصحية حينها 889 مركزا صحيا، ثم ارتفعت إلى 1309 في الخطة التي تلتها، كما ارتفع عدد المستشفيات إلى 93 مستشفى ضمت أكثر من 18 ألف سرير، كما بدأ الاهتمام بالصحة الوقائية، والثقافة الصحية، ورعاية الأمومة، وارتفع عدد الأطباء إلى أكثر من ستة آلاف طبيب، مع دخول القطاع الخاص بقوة لتقديم خدمات صحية بعدد أطباء يتجاوز 1200 طبيب.
كل ذلك تحقق في وقت مبكر، وجهود كبيرة لوزارة الصحة التي قادت كل الأدوار، من التخطيط الاستراتيجي والتنظيم حتى تنفيذ الخدمات الصحية، وبنهاية العقد الأول من القرن الحالي كانت أعداد المستشفيات قد وصلت إلى نحو 400 مستشفى، وأكثر من ألفي مركز صحي بكادر صحي عريض، من الأطباء، والممارسين الصحيين في تخصصات عديدة، وبلغ عدد الزيارات للمستشفيات أكثر من 122 مليون زيارة.
وكما هو الحال طوال عقود التنمية، كان على وزارة الصحة العبء الأكبر في التخطيط لهذه الخدمات، وتنظميها، وتنفيذها، في الوقت نفسه، وهو جهد ضخم، ويتضاعف كل عام مع تحسن المؤشرات الاجتماعية، والنمو السكاني.
ومع انطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 كانت الصحة قد حققت تقدما في كل المؤشرات الصحية، حيث بلغ الكادر الطبي أكثر من 60 ألفا، وبلغ متوسط العمر في السعودية 75 عاما مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 70 عاما، كما انخفضت نسب وفيات الرضع لأقل من سبع وفيات.
لكن رغم كل هذا النجاح كان القطاع الصحي في السعودية يواجه تحديات تراكمت على طول خطط التنمية السابقة، من بينها أن وزارة الصحة تتحمل العبء الأكبر في إدارة وتنفيذ النشاط الصحي في البلاد، وعليها أيضا مهام الإشراف على الهيئات المختصة، مع ما يلزم ذلك من خطط، واستحداث التنظيمات، وهو ما يضع الأسئلة بشأن فصل الجهاز التنفيذي عن استراتيجيات الصحة.
كما واجهت الوزارة تحديات الضغط على المستشفيات الذي يحتم زيادة السعة السريرية، ومضاعفة عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية وتطويرها. وأضافت الأزمة الصحية وتفشي فيروس كورونا ضغوطا هائلة على أسرة العناية المركزة، كما أن جهود توزيع اللقاحات في وقت قياسي قد وجهت الأنظار نحو أهمية الاستعداد لمثل المخاطر الصحية مبكرا الذي يشير عديد من التقارير الدولية الصحية إلى أن احتمالات حدوثها في المستقبل لم تزل كبيرة.
كما أن تقارير الأمم المتحدة تنبه بوضوح إلى أن التقدم المحرز في مكافحة الأمراض المعدية لم يحقق تقدما كافيا في العالم أجمع في جانب الوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها، ولا يزال تقديم التدخلات الفعالة بشأن الأمراض غير المعدية يمثل تحديا هائلا للنظم الصحية في العالم.
كل هذه التحديات تتطلب تطويرا جوهريا في آليات إدارة القطاع الصحي، أو تنظميه وتنفيذه، وأصبح التحول في القطاع الصحي ضرورة لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، وذلك من خلال إحداث تغيرات جوهرية في آليات إدارة وعمل القطاع الصحي عموما، بدءا من التخطيط الاستراتيجي، والإشراف، والتنظيم، والتنفيذ". وإذا كانت الرؤية وخطط التحول الوطني تضع الحوكمة في أولوية الاهتمام عند تطوير القطاعات، فإن الحوكمة المثلى تتطلب فصل الوظائف عن بعضها بعضا، وصولا إلى مجتمع حيوي وهو من أهم المحاور التي بني حولها عديد من المبادرات.
في هذا الشأن، فإن هناك اليوم ثلاث مهام رئيسة متداخلة، ومتقاطعة، بشكل كبير في القطاع الصحي كما تشير وثيقة التحول الوطني في القطاع الصحي، ويؤدي تقاطعها إلى تقليل سرعة تطوير القطاع الصحي، وهي مهام المنظم والمشرع، ومقدم الخدمة، والممول، ولتحقيق التحول المنشود المستند إلى النجاحات المتحققة فعليا لا بد من فصل الاختصاصات، حيث تتولى الوزارة مهام تنظيم القطاع والإشراف عليه، والتركيز على التخطيط الاستراتيجي والإشراف والتشريع، بينما يتم تقديم الخدمات الطبية من خلال الاستثمارات النوعية والمختصة بخبراتها وكوادرها وإمكاناتها المحلية والأجنبية في القطاع الصحي عموما.
تبرز أيضا الآن أهمية زيادة عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتطويرها بالشكل الذي يساعد على تقديم خدمات طبية نوعية للمرضى، مع ضرورة التوسع في الصناعات الدوائية، واستثمارات القطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي في القطاع الطبي لسد الفجوة في هذا الجانب.
الاستثمارات المختصة هي الرافد الأساس نحو تطوير نوعي في الخدمات الطبية التنفيذية، ومن خلالها يمكن تحقيق مستهدفات الرؤية، التي من بينها تسهيل الحصول على الخدمات الصحية، وتحسين جودة وكفاءة الخدمات، وتعزيز الوقاية، ضد المخاطر الصحية. وهناك دول عالمية عديدة، ومن بينها السعودية، تنبهت إلى ضرورة التركيز بشكل أكبر على دعم القطاع الطبي وتطويره وتوسعة نشاطه، وزيادة الاستثمارات فيه، خصوصا مع ما شهده العالم من مآس بسبب الجائحة، والمتحورات التي ظهرت فيما بعد.
المأمول أن نرى تطويرا كبيرا للصحة لدينا يطول جميع القطاعات، لإيجاد نموذج صحي يدار بكفاءة واقتدار، ويقدم الخدمة المطلوبة وبجودة عالية في وقت قياسي للمواطن والمقيم، ويسهم في تحقيق مستهدفات "رؤية 2030".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي