رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«أوبك +» .. ثقة وتماسك وصلابة

مع نهاية 2021 واجهت السوق النفطية تحديات واختبارات صلابة حقيقية، وذلك بعد مسار من الارتفاع في الأسعار نتيجة الاتفاق التاريخي بين الدول المصدرة للنفط "أوبك" بقيادة السعودية، ومجموعة الدول من خارجها بقيادة روسيا، فيما أصبح يعرف باتفاق "أوبك +".
هذه التحديات تمثلت في عودة انتشار فيروس كورونا بتمحور أوميكرون، وفي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن اتفاق نفطي محتمل، حيث كانت مثل هذه التحديات سابقا تشكل تهديدا خطيرا على الأسواق، ليس بسبب تراجع الطلب نتيجة احتمالات انخفاض النمو الاقتصادي فحسب، بل بسبب الفيروس، وعودة اشتراطات التباعد الاجتماعي، وميل المجتمعات نحو الادخار بدلا من الإنفاق، وعودة حالة الارتباك والقلق الذي يصيب المنتجين جراء ذلك، واتجاهاتهم للمنافسة على الحصص، أو اغتنام الفرص لكسب أسواق جديدة.
هذه الأوضاع قادت السوق النفطية نحو انهيار تاريخي عام 2020، بعد موجة من الإغلاق الاقتصادي في أنحاء العالم، خاصة الصين، والولايات المتحدة، حيث فقد المنتجون البوصلة تماما في تلك الفترة، وتسابق الجميع نحو الفوز بالحصص رغم التحذير القوي من السعودية للمنتجين الرئيسين بشأن الآثار السلبية لمثل هذا الاتجاه، ودعوتها مرارا نحو اتفاق ملزم لكل الأطراف من أجل صناعة العرض بطريقة تضمن توازن الأسعار مع النمو الاقتصادي وعدم التورط في فائض يصعب استدراكه بسرعة.
وقد تحقق ذلك فعليا مع إعادة إحياء اتفاق "أوبك +" بإضافة منتجين آخرين كالمكسيك، وتم فعليا وضع أسقف للإنتاج، مع التزامات طوعية بتخفيض الإنتاج حتى تستعيد السوق مستويات ما قبل الأزمة الصحية. وكانت التحديات كبيرة أمام الاتفاق الجديد واختبار المصداقية هو المحك في العمل، ورغم ذلك ثبت الاتفاق أمام مطالبات عالمية بشأن إعادة النظر في مستويات الإنتاج، مع عودة الأسعار لمستويات ما قبل الأزمة وتجاوزها سقف 60 دولارا للبرميل.
وبعد مفاوضات شاقة أسهمت في تأجيل القرار أكثر من مرة، استطاعت مجموعة "أوبك +" الوصول إلى اتفاق بشأن رفع سقف الإنتاج بما يعادل 400 ألف برميل شهريا، وهو الاتفاق الذي قاد إلى ارتفاع عقود خام برنت العام، وخام غرب تكساس، إلى أعلى مستوى لهما في 2021 في تشرين الأول (أكتوبر)، وذلك بعدما سجل خام برنت 86.70 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 2018، في حين سجل خام غرب تكساس الوسيط 85.41 دولار للبرميل، ويعد أعلى مستوياته منذ 2014.
فعلا كان نجاحا تاريخيا بكل المقاييس، ومثالا يحتذى به في صناعات عدة، لكن كان أمام هذا الاتفاق اختبار جديد مع انتشار متحور أميكرون الذي مثل خطرا محدقا مع سرعة انتشاره، وسرعة العدوى به، وعدم قدرة اللقاحات على الحد من انتشاره رغم قدرتها على منع الإصابات الشديدة، إلى جانب أن الارتفاع في الإصابات بالفيروس لمستويات قياسية حول العالم كان كافيا لإرباك المشهد الاقتصادي العالمي، وعودة القلق مرة أخرى من أن يؤدي ذلك إلى فرض قيود جديدة وانخفاض الطلب على الوقود، وهو ما قاد الأسعار خلال الأيام الأخيرة من 2021 للتراجع، فانخفض سعر مزيج برنت إلى 71.52 دولار للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ليبلغ 68.23 دولار للبرميل.
وعزز من الهبوط عودة الاحتمالات باتفاق نووي يتيح لإيران العودة للتصدير بقوة لتواصل الأسعار هبوطها نحو 69.28 دولار للبرميل لمزيج برنت، كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى 66.04 دولار للبرميل.
حدوث مثل هذه التحديات في السوق خلال فترات سابقة كان إيذانا كافيا ببدء حالة من الرعب بين المنتجين وحرب أسعار، لكن اللافت في الأمر أن "أوبك +" أفادت خلال تلك الفترة بالتزام المجموعة بتخفيضات إنتاج النفط بلغت 117 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ارتفاعا من 116 في المائة، وهو التصريح الذي أكد للعالم أجمع أن "أوبك +" لم تزل تعمل بكفاءة، وقدرة على ضبط توازن السوق رغم التحديات.
هذه الصلابة التي أظهرها اتفاق "أوبك +" منح السوق ثقة كبيرة، فعاودت الأسعار تحسنها مع بداية العام، كما أفاد تقرير صادر عن اللجنة الفنية المشتركة لمجموعة "أوبك +" التي توقعت أن يكون تأثير أوميكرون في سوق النفط محدودا ومؤقتا، مع تحسن القدرة العالمية على التعامل مع الوباء، والتحديات المرتبطة به.
كما تلقت الأسعار دفعة أخرى، بعد توقف المحادثات بين واشنطن وطهران بشأن اتفاق نووي محتمل، ما قلص احتمالات عودة صادرات النفط الإيرانية، مع توقعات بزيادة الطلب على وقود الطائرات.
كل ذلك يؤكد القيادة الحصيفة للسوق النفطية من قبل "أوبك +" وقراءتها الصحيحة للأحداث، وتماسكها رغم كل الظروف الصعبة التي تحيط بها، وهو ما يزيد من التفاؤل بمستقبل السوق خلال الفترة المقبلة، والقدرة على تجاوز المعوقات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي