الهروب من التضخم وحماية الأموال
تطرح الموجة الحالية لارتفاع معدلات التضخم حول العالم، مجموعة من الأسئلة، لعل أهمها المرتبط بالمدة المتبقية لهذا التضخم للعودة إلى المستويات المقبولة، فإذا طال زمن هذه الأزمة تتعمق في مؤشرات النشاط الاقتصادي، بصرف النظر عن طبيعة هذا الاقتصاد أو ذاك. وفي أعقاب تفشي وباء كورونا، وصل التضخم إلى مستويات تاريخية مخيفة، أصبح الأعلى في الولايات المتحدة منذ أربعة عقود تقريبا، وكذلك الأمر في منطقة اليورو وغيرها، ولا يوجد اتفاق محدد حول مصير هذه الموجة، فالبعض يعتقد أنها ستطول لأعوام، والبعض الآخر يرى أنها ستدوم إلى أن تبدأ تأثيرات تغيير السياسات النقدية للبنوك المركزية الرئيسة، أو بمعنى آخر، عندما ترفع هذه البنوك الفائدة، وتضيق سياسة التيسير النقدي.
وعلى مستوى القارة الأوروبية تعترف جهات في البنك المركزي الأوروبي، بأن التضخم سيكون مرتفعا لفترة أطول، ولا تعتقد أن ضغوط الأسعار ستجبر البنوك المركزية على رفع الفائدة، فهي تعتقد أن موجة التضخم هذه مؤقتة، رغم أن المجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي" يرى أنه ينبغي اعتبارا من آذار (مارس) المقبل تغيير سياسته النقدية برفع الفائدة.
المشكلة في هذا الأمر تكمن في أن تداعيات متحور أوميكرون قد تجبر المشرعين إلى تأجيل مخططاتهم لرفع الفائدة، خصوصا إذا ما طالت فترة القيود التي فرضت حديثا في عدد متصاعد من الدول، فشراء الأصول أو الاستدانة الحكومية أداة أساسية في عملية الإنقاذ الاقتصادي العالمية التي انطلقت في الربع الأول من 2020، وهذا ما يرفع حدة المخاوف من الزيادة المتواصلة للديون الحكومية حول العالم.
وفي عمق هذا المشهد العام، ارتفع بصورة كبيرة جدا ما سمي "هوس الشراء" في الأسواق المالية، إضافة إلى الأصول العقارية والعملات الرقمية وغيرها، هربا من التضخم. وهذا ليس غريبا في حالة كهذه، وحدث في السابق مثل هذا الحراك المتفاعل في مجال الشراء. وخلال الفترة الماضية زاد الطلب على الذهب، والعقار، والعملات المشفرة كثيرا، على الرغم من أن هناك مخاطر من الاستثمار غير المدروس في هذه الأصول، ولا سيما العملات الرقمية التي لا تزال تحمل مخاطر لأسباب متعددة أصبحت معروفة للجميع. إنها مرحلة الهروب من التضخم وتأمين رؤوس الأموال، والمحافظة على قيمتها الحقيقية، عبر الاستثمار في أصول توفر ملاذات ربما ليست آمنة 100 في المائة، لكنها تعد ضرورية في مرحلة يمكن وصفها بعدم اليقين.
إن هذه التوجهات لها مخاطرها على الأصول الجديدة للمستثمرين، وأصحاب رؤوس الأموال، فهناك إمكانية حدوث فقاعات، أو في أحسن الأحوال عمليات تصحيح على المدى المتوسط، الأمر الذي يعرض هذه الاستثمارات لخطر انخفاض قيمتها.
وهناك مؤشرات ليست قوية تماما لكنها مطروحة حول فقاعة عقارية شبه عالمية قد تحدث من جراء مشكلات خطيرة تواجه شركات عقارية صينية مشهورة، فضلا عن الاستثمارات المتزايدة في العملات المشفرة التي لا تزال خارج نطاق التشريعات الواضحة للبنوك المركزية.
ولا يمكن أن نستبعد عامل عدم وضوح الرؤية بشأن المدة التي سيحل التضخم فيها على الاقتصاد العالمي عموما والاقتصادات المتقدمة خاصة، في الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن أعوام.
لا شك في أن البنوك المركزية تؤدي الدور الأهم في هذا الميدان، لكن الأمر مرتبط أيضا بتوجهات الحكومات في ساحتي الاقتصاد، والصحة العامة، فإذا ما ظلت السيطرة على كورونا وتوابعه خارج التحكم، فستجد البنوك المركزية صعوبة في الإقدام على رفع الفائدة لمحاربة التضخم، وبالتالي فهي عملية ليست معقدة، لكنها مرتبطة بمستقبل وباء لم ينته بعد.