رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


النمو تحت مجهر 2022

تظهر مؤشرات نمو الاقتصاد العالمي، بشكل عام، أن التعافي لا يزال جاريا، في وقت نشهد فيه موجة عدوى جديدة بظهور متحور أرجع العالم إلى المربع الأول، مع عودة معظم الدول إلى اتخاذ الاحترازات الصحية، بل إن بعضها دخل في دائرة التفكير بالرجوع إلى تطبيق سياسة الإغلاقات. ويبدو أن التصدعات، التي أحدثها فيروس كوفيد - 19 ستستمر لفترة أطول، فمن المتوقع أن تترك مظاهر التباعد قصيرة الأجل بصمات دائمة على الأداء متوسط الأجل، فيما تمثل إتاحة اللقاحات والدعم المبكر اللذين تقدمهما السياسات المحركين الأساسيين وراء الفجوات.
ولا تزال الآفاق العالمية محاطة بقدر كبير من عدم اليقين بعد مرور عام على بداية الجائحة. ومما يثير القلق ظهور سلالات الفيروس المتحورة الجديدة وتراكم الخسائر البشرية من جراء الجائحة، في الوقت الذي تتزايد فيه تغطية اللقاحات وتبعث شعورا بالتفاؤل. وهناك تباعد في مسارات التعافي الاقتصادي بين الدول، والقطاعات، ما يعكس التفاوت في الاضطرابات الناجمة عن الجائحة، ومدى الدعم المقدم من السياسات لمواجهتها.
ورغم هذه الظروف، فإننا نلاحظ أيضا أن الأسواق والاقتصادات حول العالم حققت تقدما في 2021، لكنه بقي في دائرة الحذر بفعل حالة عدم اليقين، التي تسود العالم، أوجدتها جائحة كورونا وتداعياتها، ومتحوراتها. الاقتصاد العالمي شهد نموا مرتفعا بالفعل، على أساس أن يكون هذا النمو في 2022 أقل مستوى ولكنه متواصل بصورة صحية من العام الذي سبقه. لكن الأمور في نهايات العام الماضي اتجهت بصورة خطيرة، مع متحور أوميكرون، الذي أعاد القيود في معظم الدول، وإن بصورة أقل حدة منها في 2020 الذي اصطلح على تسميته "عام الجائحة". ولا يزال الاقتصاد العالمي متفاعلا مع المتحور الجديد، مع تقلص نسبة من النمو، التي تلت الانكماش المخيف، الذي سيطر على الساحة لمدة تزيد على عام.
العام الماضي لاحظنا وجود تعاف، لكنه لم يوفر النمو المأمول الطويل، في الوقت الذي تأثر فيه الاقتصاد العالمي بالمعارك التجارية التي أخذت شكل حروب بين بعض الدول الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة والصين، علما بأن هذه الحرب تراجعت في أعقاب خروج دونالد ترمب من البيت الأبيض، إلا أن مسبباتها لا تزال باقية، وستبقى حاضرة إلى أن يتم ضبط العلاقات بين الاقتصادات الكبيرة بما يتناغم مع مصلحة الاقتصاد العالمي، والمصالح الوطنية للدول.
ويؤكد خبراء اقتصاديون إن خلاف الرسوم الجمركية بين الصين والولايات المتحدة يعد حربا خاسرة لكلا البلدين، والعالم بأسره، ومن المرجح أن يتدهور الوضع ما لم يتم التوصل إلى اتفاق.
ولا شك في أن وباء كورونا أسهم أيضا في إبعاد مظاهر المعارك التجارية عن الساحة، فالكل مصاب بالأضرار الاقتصادية جراء هذا الوباء، الذي لم يدخل بعد تحت السيطرة حقا، إضافة إلى أن العالم لا يتحمل مزيدا من المعارك، بينما يحاول التقاط أنفاسه من تداعيات الجائحة، ويتعاطى مع الجرعات العلاجية لاقتصاداته بكل أشكالها، وهي جرعات كما يعلم الجميع مكلفة، ولها تداعياتها في المستقبل.
حزم الإنقاذ، التي اضطرت الحكومات لطرحها من أجل إسناد اقتصاداتها، ولدت أزمة مخيفة أيضا تتعلق بمدى قدرة العالم مجددا على السيطرة على التضخم، ففي الولايات المتحدة، وأوروبا وصل إلى أعلى مستوى له منذ 30 عاما، من المتوقع أن يتواصل الارتفاع في العام الجديد، إذا لم تتمكن الحكومات من ضبطه، والأهم أن بعض المؤشرات تدل على إمكانية أن يستمر وجوده على الساحة لعدة أعوام. الضغوط ستتواصل من جهة التضخم، ولا يمكن وقفها إلا إذا عادت عجلة الاقتصاد العالمي إلى الدوران كما كانت قبل انفجار الجائحة، علما بأن النمو العالمي لم يكن عاليا أصلا قبل كورونا، وكان يشهد بعض الاضطراب. لا بد من الإشارة هنا، إلى أن الحكومات لا يمكنها الاستمرار في شراء الأصول إلى ما لا نهاية.
كل شيء بات مرتبطا مباشرة حاليا بمدى قدرة العالم في إعادة النشاط الاقتصادي إلى مستوى طبيعي، بصرف النظر عن مستويات النمو، وهذا الأمر سيكون صعبا في العام الجديد، طالما انتقلت ضغوط وتداعيات أوميكرون من العام الماضي إلى العام الجديد، وطالما تواصلت الضغوط من جهة التضخم حول العالم، إضافة إلى ارتفاع الديون الحكومية بشكل مخيف، مع احتمالات عجز بعض الدول عن السداد في العام المقبل.
إن المشهد العام ليس واضحا، ولن يكون كذلك، إلا إذا ثبت النمو في 2022، وأبعدت احتمالات الانكماش مجددا، الإغلاقات أو القيود، التي فرضتها بعض الدول ربما تطول أكثر من المتوقع، مع ارتباك الأسواق بكل مستوياتها المتقدمة، والناشئة، والفقيرة. وستحاول الحكومات حول العالم التركيز على علاج التضخم في العام الجديد، الذي سجل معدلات في كل دول العالم وتسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفرض التضخم نفسه على واحدة من أكبر اقتصادات العالم، حيث سجلت الولايات المتحدة ارتفاعا كبيرا في الأسعار، ما أعاد الأسواق الدولية إلى دائرة القلق من ركود إجباري، وآفات اقتصادية أخرى. وفي هذا الوضع السيئ أصبح الأمر والموقف صعبا، حتى إن قررت بنوك مركزية وفي مقدمتها "الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي" أن توقف شراء الأصول قبل منتصف 2022 فإن الضغوط الاقتصادية إذا ما زادت قوتها قد تدفعها لإعادة النظر في هذه الخطوة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي