مراحل 2030 .. تنوع ومنجزات
جاء الخطاب السنوي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في مجلس الشورى شاملا وملما بجميع القضايا، والتحديات المحلية، والإقليمية، والعالمية. وفي هذا الخطاب أكد الملك سلمان أن الإصلاحات الاقتصادية تهدف إلى استشراف المستقبل، والاستعداد له في وقت مبكر قبل حدوث الأزمات، وأن رؤية المملكة 2030 تأتي في هذا السياق بهدف رفع أداء مؤسسات الدولة لغد أفضل، ولتحقيق العيش الكريم لأبناء وبنات الوطن.
برامج "الرؤية" ومبادراتها انطلقت في ظل تحديات مختلفة، من بينها اعتماد الاقتصاد السعودي على مورد النفط كمصدر رئيس لتمويل المالية العامة، وضعف التنويع الاقتصادي الذي من المفترض أن يمنح الميزانية العامة مرونة في مواجهة الصدمات السعرية للسوق النفطية، إلى جانب أن نسبة تملك المساكن لم تتجاوز 46 في المائة، مع تقادم البنى التشريعية عموما.
الأعوام الخمسة الأولى من "الرؤية" مضت بتحدياتها المتوقعة، ومفاجآتها، فظهر انتشار فيروس كورونا بما تسبب فيه من تراجع النمو العالمي، وانحسار الطلب على النفط في بدايات الأزمة الصحية، بشكل لم يشهد العالم له مثيلا، لكن بالتوجيهات الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين، ومتابعة وإشراف من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عبرت السعودية بمجتمعها، واقتصادها، وهي في أفضل حال، واستطاعت أن تحقق كل مستهدفات المرحلة الأولى من مراحل "الرؤية"، وتتجاوز الأزمة الصحية بأقل الأضرار البشرية، والاقتصادية، على خلاف ما شهدته دول عديدة من العالم.
أمس الأول وتحت قبة مجلس الشورى، أشار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى بدء المرحلة الثانية من رؤية السعودية 2030، وذلك بدفع عجلة الإنجاز، ومواصلة الإصلاحات، لازدهار الوطن، وضمان مستقبل أبنائه، بإيجاد اقتصاد متين متنوع، يواجه المتغيرات العالمية.
انطلاقة "الرؤية" تأتي في مرحلتها الثانية بعدما استطاعت السعودية تحقيق قفزة نوعية في قضايا مهمة مثل: تنمية الإيرادات غير النفطية، وتحرير الاقتصاد من تبعية أسعار النفط، كما ظهر انعكاس كل هذا بوضوح على الميزانية التقديرية لعام 2022، التي أعلنت قبل عدة أيام فائض ميزانية لأول مرة منذ سبعة أعوام، وقد جاء كما كان مخططا له في برامج "الرؤية"، إضافة إلى أنه يعد استمرارا لنهج ضبط الإنفاق، مع التركيز على دعم المشاريع الرأسمالية، وبرامج "الرؤية".
الخطاب الملكي السنوي لهذا العام بارك ما أطلقه ولي العهد لعديد من المشاريع ذات الرؤية المستقبلية التي تدعم أنظمتها، الاستدامة، والازدهار، والابتكار، وقيادة الأعمال، ما يوفر فرص العمل، ويحقق عوائد ضخمة للناتج المحلي. فالاستراتيجية الوطنية للاستثمار التي أطلقت في 11 تشرين الأول من (أكتوبر) الماضي، تحمل في طياتها أهم المشاريع لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، ومن خلالها سيتم ضخ استثمارات تفوق 12 تريليون ريال في الاقتصاد المحلي حتى 2030، جنبا إلى جنب مع خطط للإنفاق الحكومي من خلال الميزانية العامة للدولة بقيمة عشرة تريليونات ريال، وثلاثة تريليونات ريال أخرى من جانب صندوق الاستثمارات العامة، وفق خطته الاستراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني، مع صنع فرص لمنشآت القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، وإيجاد مزيد من الوظائف للمواطنات والمواطنين، وإنفاق استهلاكي يفوق خمسة تريليونات، وبذلك فإن الاقتصاد السعودي على وعد بتدفقات تصل إلى 27 تريليون ريال حتى 2030. الأعوام الخمسة المقبلة ستكون حافلة بعديد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى في كل المناطق، وستنقل المجتمع بكل مكوناته إلى عصر جديد من الازدهار والتنمية والتنوع.
خادم الحرمين الشريفين أكد ثبات الموقف السعودي تجاه كل القضايا، سواء في فلسطين، أو اليمن، أو لبنان، أو العراق، فالسعودية لا تقبل التطرف والإرهاب، وترفض بشدة وجود ميليشيات إرهابية في أي دولة عربية، وتدعو وتمد أياديها البيضاء من أجل دعم السلام والاستقرار، وهي في الوقت نفسه تراقب ما تقوم به إيران من تدخل سافر في شؤون بعض الدول العربية، ودعمها المنظمات الإرهابية التي تزعزع الاستقرار في المنطقة. خطاب خادم الحرمين الشريفين رسم أبعاد السياسة السعودية، ونهجها الواضح، وعبر بصدق عن القيم الأصيلة، التي تتبعها الدولة في تعاطيها مع جميع القضايا السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.