رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تحقيق التوازن لمواجهة الدين العالمي «2 من 2»

يواجه كل من الأسواق الصاعدة والدول منخفضة الدخل أيضا نسب دين مرتفعة من جراء الهبوط الكبير في إجمالي الناتج المحلي الاسمي عام 2020. فقد بلغ الدين العام في الأسواق الصاعدة مستويات قياسية، بينما ارتفع في الدول منخفضة الدخل إلى مستويات غير مسبوقة منذ أوائل الألفينيات، حين كانت دول كثيرة تستفيد من مبادرات تخفيف الديون.
وحول الحديث عن موازنة صعبة، فقد كان الارتفاع الكبير في الدين مبررا بالحاجة إلى حماية أرواح الأفراد والحفاظ على الوظائف وتجنب موجة من حالات الإفلاس. ولو لم تتحرك الحكومات لمواجهة هذا الطارئ، لكانت العواقب الاجتماعية والاقتصادية مدمرة.
لكن طفرة الدين تعمل على تضخيم مواطن الضعف، خاصة في ظل اشتداد أوضاع التمويل. فمستويات الدين المرتفعة تؤدي في معظم الحالات إلى إضعاف قدرة الحكومات على دعم التعافي وقدرة القطاع الخاص على الاستثمار في المدى المتوسط.
ويتمثل التحدي الجوهري في التوصل إلى المزيج الصحيح من السياسات المالية والنقدية في بيئة يسودها الدين المرتفع والتضخم المتزايد. ومن حسن الطالع أن السياسات المالية والنقدية كان كل منها مكملا للآخر أثناء أسوأ فترة في الجائحة. فقد دفعت إجراءات البنك المركزي، خاصة في الاقتصادات المتقدمة أسعار الفائدة نحو حدودها الدنيا ويسرت الاقتراض على الحكومات.
وقد بدأ تركيز السياسة النقدية يتحول الآن بالصورة الملائمة نحو التضخم المتزايد والتوقعات التضخمية المتصاعدة. فبينما تساعد زيادة التضخم، وإجمالي الناتج المحلي الاسمي على تخفيض نسب الدين في بعض الحالات، فلا يرجح أن يكون ذلك كافيا لتحقيق انخفاض ملموس في الديون. وإذ ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة حتى تحول دون ارتفاع التضخم بصورة مزمنة، ترتفع تكاليف الاقتراض. وفي كثير من الأسواق الصاعدة، زادت بالفعل أسعار الفائدة الأساسية ومن المتوقع رفعها بدرجة أكبر. وتخطط البنوك المركزية أيضا لتخفيض مشترياتها الكبيرة للدين الحكومي وغيره من الأصول في الاقتصادات المتقدمة، لكن طريقة تنفيذ هذا التخفيض ستكون لها انعكاسات على التعافي الاقتصادي وسياسة المالية العامة.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة، ستحتاج سياسة المالية العامة إلى التكيف خاصة في الدول التي تعاني مواطن ضعف أكبر فيما يتعلق بالديون. وكما يوضح التاريخ، فإن دعم المالية العامة تقل فعاليته حين تستجيب أسعار الفائدة، أي: إن ارتفاع الإنفاق أو انخفاض الضرائب سيكون أقل تأثيرا في النشاط الاقتصادي وتوظيف العمالة ويمكن أن يشعل الضغوط التضخمية. ومن المرجح أن تتكثف الشواغل المتعلقة ببقاء الدين في حدود مستدامة.
وستتضخم المخاطر إذا ارتفعت أسعار الفائدة العالمية بسرعة أكبر من المتوقع وتعثرت مسيرة النمو. ومن شأن تشديد الأوضاع المالية بدرجة كبيرة أن يزيد الضغوط على أغلب الحكومات والأسر والشركات المثقلة بالديون. وإذا اضطر القطاعان العام والخاص إلى خفض نسب الرفع المالي على نحو متزامن، فإن آفاق النمو ستعاني.
ونظرا للآفاق المشوبة بعدم اليقين ومواطن الضعف المتزايدة، فمن الضروري تحقيق التوازن الملائم بين مرونة السياسات وسرعة التكيف مع الظروف المتغيرة والالتزام بخطط مالية موثوقة ومستدامة على المدى المتوسط. وهذه الاستراتيجية من شأنها الحد من مواطن التعرض لمخاطر الديون وتيسير عمل البنوك المركزية لاحتواء التضخم. وسيكون للدعم المالي الموجه دور حيوي في حماية محدودي الدخل.
وقد تحتاج بعض الدول خاصة الدول ذات الاحتياجات التمويلية الإجمالية المرتفعة "مخاطر تمديد الدين" أو التعرض لتقلب أسعار الصرف، إلى التكيف بوتيرة أسرع للحفاظ على ثقة السوق والحيلولة دون حدوث تعثر مالي أكثر إرباكا. إن الجائحة وفجوة التمويل العالمية تتطلبان تعاونا دوليا قويا وفعالا ودعما كافيا للدول النامية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي