شركات الطيران .. تداعيات وتعثر

يواجه قطاع الطيران منذ بداية 2020 معركة شرسة أمام تحديات هي الأسوأ على مدار تاريخ صناعة النقل الجوي، ويعد التحدي الأكبر هو مجابهة تداعيات جائحة كورونا على كل المجالات عقب توقف معظم الرحلات إلى مطارات ومحطات العالم، وتسبب هذا الوضع في خسائر فادحة وجسيمة تكبدها هذا القطاع الذي يعد من أكبر القطاعات التجارية التي تضررت من انتشار الجائحة، كما نلاحظ أنه ما زال يرمم جراح خسائر هذه التداعيات الضخمة التي تحتاج إلى وقت طويل للتعويض.
وخلال هذا العام استمرت صناعة الطيران تسجل تراجعا جذريا بعد سلسلة من الأرباح انفرط عقدها بمجرد بدء عمليات الإغلاق التي تلت تفشي فيروس كورونا. والآن تعيد الشركات ترتيب أوراقها للعام الجديد 2022 في محاولة للحفاظ على وظائف القطاع وفق استراتيجية الأسعار المنخفضة على أمل عودة العملاء. ويعلم الجميع أن الانتعاش الاقتصادي لشركات الطيران وغيرها من الصناعات يتوقف على التعافي الصحي، وكل محاولة لوضع الأخير قبل الأول تهدد كليهما في النهاية.
وعندما بدأت مطارات العالم تنفض غبار التوقف عن أنشطتها حول العالم، مع استئناف صناعة السفر العالمي خلال 2021، بعد تعطل شبه كامل للرحلات المدنية خلال الربع الثاني من العام الماضي، ظهر فجأة أوميكرون المتحور الخامس لكورونا. ويأتي هذا الوضع بعد أن شهد عام الجائحة تحديا غير مسبوق لهذه الصناعة بفعل قيود صارمة وضوابط سفر أضعفتها كثيرا لمنع تفشي الفيروس والحد من انتشاره، وتراجع عدد المسافرين عالميا خلال العام الماضي، بنسبة نحو 66 في المائة مقارنة بـ2019.
وعلى الصعيد نفسه، حاليا تتجدد الضغوط حيث يتعرض القطاع لمزيد من الأزمات بسبب أوميكرون الذي دفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات لا يرغب فيها أحد، لكنها ضرورية لتوفير أعلى درجة للحماية من هذا المتحور الجديد. وقطاع الطيران نفسه، كان أول المتضررين من بين القطاعات قاطبة، مع تفشي وباء كورونا أواخر 2019، وكان أيضا أول القطاعات التي أسرعت السلطات المالية في أغلب الدول لتوفير حزم الدعم له. ولذلك لم يكن غريبا إلغاء أكثر من سبعة آلاف رحلة جوية حول العالم في عطلة يوم الميلاد التي تشهد في الأوقات الطبيعية أعلى مستوى لحركة الطيران والعطلات والسياحية. صحيح أن نسبة من هذه الرحلات التي ألغيت جاءت لأسباب تتعلق برداءة الطقس، لكن القسم الأكبر منها كان بسبب الانتشار السريع لأوميكرون الذي أعاد للأذهان مشاهد الإغلاقات الأولى في العام الماضي.
لا يمكن لشركات الطيران تحمل أي اضطراب في حراكها في هذا الوقت بالذات، لماذا؟ لأن الخسائر المتراكمة للطيران التجاري في الفترة بين 2020 و2022 نتيجة الوباء ستبلغ أكثر من 201 مليار دولار، وفق اتحاد النقل الجوي الدولي "آياتا". فقد بلغت الخسائر في العام الجاري 52 مليار دولار، بينما وصلت في 2020 إلى 138 مليار دولار. باختصار تجاوزت خسائر قطاع الطيران العالمي مجموع خسائره خلال الأزمة الاقتصادية العالمية وأحداث 11 أيلول (سبتمبر).
فالمشكلة الراهنة الناجمة عن إلغاء هذا العدد الكبير من الرحلات الجوية، هي في الواقع امتداد لأزمة خطيرة أصابت القطاع في اليوم الأول لانتشار كورونا. وليست أمام شركات الطيران خيارات على الإطلاق إذا ما استمرت ضغوط أوميكرون سوى اللجوء إلى الأداة التقليدية، أي أن تنتظر دعما حكوميا جديدا.
وإذا استفحلت الأزمة في الفترة المقبلة، فإن الأضرار لن تتوقف على الجوانب المادية فقط، بل النفسية أيضا بالنسبة إلى المسافرين، حتى إن حصلوا في أغلب الدول على تعويضات مالية أو تأمينية. والنقطة الأخيرة تسبب أيضا إرباكا، لأن شركات التأمين رفعت منذ انتشار جائحة كورونا من التكاليف على الشركات والأفراد في آن معا. وقد تعرضت بالفعل لضغوط في الفترة الماضية نتيجة تسديد بوالص التأمين. إلغاء الرحلات أصابت كل المناطق حول العالم تقريبا، خصوصا في الولايات المتحدة، حيث بلغت نسبة الإلغاء هذه أكثر من 25 في المائة من المجموع الكلي لهذه الرحلات.
فالسفر جوا ضمن البلاد نفسها يعد أساسيا نتيجة اتساع الرقعة الجغرافية لها، فضلا عن تعدد ولاياتها. ومن المشكلات التي تواجهها شركات الطيران في الوقت الراهن، تلك التي تتعلق بإصابة الطيارين والطواقم بمتحور أوميكرون.
هذا الجانب يثير القلق لأن البدائل محدودة في هذا المجال، فضلا عن التكاليف التي تتكبدها الشركات المذكورة من الإجازات الهائلة التي تتلقى طلباتها من الموظفين لديها، بمن فيهم أولئك الذين يعملون في الخدمات الأرضية. ومما لا شك فيه، أن تردي الأحوال الجوية أسهم في تفاقم المشكلة، إلا أن الأثر الذي يتركه أوميكرون يبقى الأكثر محورية، ومولدا للقلق لدى كل الأطراف المعنية، ولا سيما الحكومات التي صار عليها الآن أن تعيد النظر في بعض السياسات الصحية والمالية أيضا، إذا لم تتم السيطرة على هذا المتحور في وقت قريب.
فالإغلاقات أصبحت السمة الرئيسة حاليا في القارة الأوروبية، وعدد من دول آسيا. كل شيء بات مرتبطا بمدى قوة أوميكرون واستدامته. مع انفجار كورونا خرجت شركات طيران بالعشرات من السوق، وظلت الأخرى باقية بدعم حكومي، والشركات الحالية ليست محصنة من الانهيار بالتأكيد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي