تحولات الرؤية .. تنوع وقوة
منذ اكتشاف النفط منتصف القرن الماضي وتدفقاته على نحو تجاري من الأراضي السعودية للعالم وبقدر ما أضافه من قيمة اقتصادية، ومساهمة في التنمية الشاملة، التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، إلا أن تقلبات الأسعار العالمية للنفط أصبحت لافتة، وتسببت في تأثيرات مالية للاقتصاد السعودي من حين لآخر، وكلما تراجعت الأسعار العالمية تقلصت معها موارد الدولة، تزيد على 54 في المائة، وفق ما أوضحه عدد من الدراسات الاقتصادية، وهذا ينعكس سلبا على مستوى النفقات العامة، وبالتالي اتجاهات النمو حتى في القطاع الخاص، الذي كان مرتهنا بما تطرحه الدولة من مشاريع تنموية.
استنفدت خطط التنمية الخمسية، التي تم اتباعها خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، والعقد الأول من القرن الحالي كل مبادراتها أملا في تحقيق تنويع اقتصادي خارج إطار النفط ومنتجاته، لكن لم يحدث كثير على واقع الاقتصاد السعودي، وظل القطاع غير النفطي مرتهنا بالتدفقات النقدية الناتجة عن القطاع النفطي ويدور في فلكه.
عدد من الدراسات أكد أيضا أنه لو لم يتحقق إصلاح شامل، ستواجه السعودية عجزا في الميزانية العامة، وتصاعدا في الدين العام، وانخفاضا في قيمة الناتج المحلي الحقيقي، ولتجنب كل هذا الوضع كانت الحكومة السعودية بحاجة إلى خطة للتحول لتمكين هذا التحول من نموذجها الاقتصادي، الذي تقوده الحكومة إلى نهج أكثر اعتمادا على السوق، بما يتطلبه ذلك من مزيد من الانفتاح على المنافسة، والتجارة، والاستثمار.
وبذلك انطلقت رؤية السعودية 2030 لتصنع هذا الفارق، ويتحرر الاقتصاد الوطني من تبعية أسعار النفط وتقلباته وعلى أساس متين، يصبح فيه النفط منتجا من منتجات كثيرة، ورافدا من روافد عظيمة يتمتع بها هذا الاقتصاد في ظل تنافسية عالمية قوية في شتى القطاعات، فلقد حبا الله السعودية بكثير من المزايا التنافسية، بدءا من الموقع الجغرافي، الذي يوفر لها منافذ بحرية على قارات العالم، إلى جانب كثير من المعادن، من بينها المعادن الثمينة النادرة، وطاقة شابة قادرة على الإبداع.
وخلال المرحلة الأولى من عمر الرؤية، التي امتدت من 2016 حتى 2021 أثبتت الإنجازات التي تم تحقيقها أن مكامن القوة في الاقتصاد السعودي أكبر بكثير مما كان متصورا، وتحقق كثير من الإنجازات، والأرقام الصعبة خلال وقت وجيز، ولا أدل على ذلك من تحقيق التوازن المالي، وتنمية الإيرادات غير النفطية قبل الموعد المحدد لها، مع تحقيق قفزة في معدلات تملك المساكن، وغير ذلك من الإنجازات التي شهدت بها المؤشرات الاقتصادية العالمية، وهذه الإنجازات تتحقق أيضا رغم وجود أزمات عالمية ظهرت نتيجة للأزمة الصحية، وهذا يؤكد متانة الاقتصاد السعودي، وقوة مرتكزاته.
وفي سياق الإنجازات الاقتصادية المحلية بينت الإحصاءات الرسمية الأخيرة أن التجارة الخارجية السعودية سجلت خلال تشرين الأول (أكتوبر) الماضي مستويات قياسية في حجمها، وصادراتها، وفائضها، ووفقا لتقرير "الاقتصادية"، سجل الميزان التجاري السلعي للسعودية فائضا للشهر الـ16 على التوالي بنحو 59.9 مليار ريال، بعد أن بلغت الصادرات النفطية وغير النفطية 106.2 مليار ريال، مقابل واردات بقيمة 46.3 مليار ريال.
وكي تكون صورة هذا الإنجاز واضحة تماما ويكون دور الرؤية ملهما هنا، نلحظ أن السعودية كانت قد سجلت عجزا في ميزانها التجاري في شباط (فبراير) 2016 بواقع 403 ملايين ريال، ثم انطلقت الرؤية بمحفزاتها ومبادراتها حتى سجلت قفزة في صادراتها تعد الأعلى تاريخيا وحققت للميزان التجاري فائضا تاريخيا، فيما سجلت الصادرات غير النفطية ثاني أعلى مستوى تاريخيا بـ23.8 مليار ريال، مع ارتفاع التجارة الخارجية السلعية لمستوى تاريخي أيضا، حيث زادت 37.5 في المائة خلال الشهر ذاته، لتصل إلى 152.5 مليار ريال، مقابل 98.9 مليار ريال في الشهر نفسه من 2020.
اللافت أن تحقيق هذه النتائج التاريخية في ظل استمرار الأزمة الصحية العالمية، ومع ما يواجهه العالم من إغلاقات متكررة، وقيود على السفر، إضافة إلى مشكلات عديدة ومعقدة في سلاسل التوريد.
تبين التحليلات المستندة إلى البيانات الرسمية أن تسجيل الفائض، وارتفاع التجارة الخارجية يأتي نتيجة لعودة النمو للأنشطة الاقتصادية، مدعومة ببرامج التحفيز المالي، الذي قدمته الدولة للقطاع الخاص، وهذا انعكس بشكل واضح على إيرادات الصادرات غير النفطية السعودية خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2021 التي نمت 25.5 في المائة، لتبلغ 23.8 مليار ريال مقابل 19 مليار ريال في الشهر نفسه من 2020، ومع عودة أسعار النفط للنمو فقد حقق الميزان التجاري نموا قويا وتاريخيا، ما يرسم صورة حديثة للاقتصاد السعودي المتنوع الذي يتركز على دعائم عدة، تتوازن معا في حال الأزمات، وتحقق فوائض تاريخية في حال النمو.
إيرادات صادرات النفط السعودية ارتفعت خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2021 على أساس سنوي ارتفاعا قويا 123.1 في المائة، بمقدار 45.5 مليار ريال، لتبلغ 82.4 مليار ريال مقابل 36.9 مليار ريال في الشهر نفسه من 2020. وأن هذا الارتفاع القوي في الصادرات يجذب نموا لا بد منه في الواردات، لكن من اللافت أن الواردات السلعية قد ارتفعت أقل بكثير من نمو الصادرات، حيث نمت 7.6 في المائة فقط، لتبلغ 46.3 مليار ريال، مقابل 43 مليار ريال للشهر نفسه من 2020، وهذا يدل على استقرار حالة الطلب الكلية في الداخل السعودي، وعودة النمو دون عوارض تضخمية مصاحبة. كما أن تفوق الصادرات خاصة غير النفطية بهذا الحجم يدعم الاستقرار النقدي، وتوافر الاحتياطيات من النقد الأجنبي، بما يغطي احتياجات دعم الصادرات، وخطط التنوع الاقتصادي عموما.