ضد الصعاب .. كفاح المهاجرين لبناء أعمال تجارية
عندما هربت رزان السوس من الحرب في سورية 2012، كانت تملك شهادة جامعية في علوم المختبرات وتتحدث مجموعة من اللغات بما في ذلك الإنجليزية. "أنت مؤهلة أكثر مني!". هذا ما توصل له مستشار مركز الوظائف المحلي في غرب يوركشاير، المكان الذي استقرت فيه مع عائلتها. لكن يبدو أن مؤهلاتها السورية لم تؤثر كثيرا في سوق العمل في المملكة المتحدة. دون أي تاريخ عمل في البلاد، تم رفضها حتى في أعمال السكرتارية والشؤون الإدارية.
ومع ذلك فلم يكن الاستسلام خيارا. كان لديها ثلاثة أطفال لتعولهم وكان زوجها قد منع من العمل أثناء معالجة طلبه للجوء، الذي استغرق عامين "منحت السوس نفسها إذنا للبقاء في غضون شهر". تقول، "جعلني هذا أفكر أنه علي القيام بأمر ما لإعالة عائلتي، أن أفكر بطريقة للعيش". وعلاوة على ذلك، "فإن طبيعتي لا تقبل الجلوس فقط".
قررت أن تبدأ مشروعا تجاريا لصنع أحد أساسيات الفطور السوري، جبن الحلوم. لم يكن هناك عديد من المنتجين القائمين في المملكة المتحدة لهذا المكون وإمدادات الحليب المحلي عالي الجودة العالية كانت وفيرة. لم تقبل البنوك إقراضها لكنها حصلت على مرشد تجاري وقرض بقيمة 2،500 جنية استرليني من قبل برنامج قروض الشركات الناشئة الحكومي، الذي بدأ 2012 لدعم الشركات التي تعاني للوصول إلى أشكال أخرى من التمويل.
اشترت آلة لصنع البوظة، التي قام زوجها "وهو مهندس كهربائي" بتحويلها إلى وعاء جبن. فقط بعد عدة أشهر من بدء الإنتاج في متجر للدجاج المقلي، ربح جبن الحلوم الخاص بها ميدالية برونزية في حفل توزيع جوائز الجبن العالمي. قامت بتوسيع إنتاج الجبن الذي سمي فيما بعد "بجبن سكويكي يوركشاير" إلى مصنع في 2017، ويقوم زوجها الآن بتطوير عملية إنتاج شبه آلية لزيادة الطاقة الإنتاجية في الساعة.
انتهى الأمر بالسوس في طريق يسلكه كثير من الناس الذين ينتقلون إلى بلاد جديدة، ريادة الأعمال بين المهاجرين أعلى قليلا منها بين المواطنين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وجد تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تم نشره هذا العام أن طبيعة ريادة الأعمال للمهاجرين بدأت أيضا بالتغير حيث ارتفعت مستويات مهارات الوافدين. زادت نسبة المهاجرين الحاصلين على تعليم عال في نحو جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين 2016 و2017. وكان هناك ارتفاع طفيف في نسبة المهاجرين العاملين لحسابهم الخاص في قطاعي التعليم والخدمات على مدار العقد الماضي، بينما تراجعت النسب في الزراعة والإيواء وخدمات الطعام.
على الرغم من أن معدل بقاء الشركات التي بدأها مهاجرون يقل في المتوسط بنحو ثلاث نقاط مئوية عن غير المهاجرين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلا أن هناك أمثلة كثيرة على قصص النجاح. فقد وجدت دراسة في 2018 أجرتها المؤسسة الوطنية للسياسة الأمريكية أن المهاجرين أسسوا أو شاركوا في تأسيس 55 في المائة من شركات "اليونيكورن" في الولايات المتحدة - وهي شركات مملوكة للقطاع الخاص تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. ووجدت الأبحاث أيضا أن المهاجرين في الولايات المتحدة حققوا نجاحا أعلى بكثير من وزنهم من حيث عدد براءات الاختراع التي أودعوها لدى الجهات المختصة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن المهاجرين يتمتعون بقدر أكبر من تحمل المخاطر، ما يزيد من احتمالية تحليهم بالروح والدافع على حد سواء للانتقال إلى بلاد جديدة وبدء شركة جديدة.
وتؤكد الأبحاث الأخرى العوائق العملية والتمييز التي يمكن أن تجعل من الصعب على الوافدين الجدد الوصول إلى سوق العمل التقليدية، ما يجعل العمل الحر أو ريادة الأعمال اختيارا قسريا.
لكن بينما تظهر قصص النجاح مثل جبن سكويكي يوركشاير ما هو ممكن من خلال ضخ الأموال في الوقت المناسب والإرشاد للشركات الناشئة، فإن عديدا من الوافدين الجدد يعانون الإقصاء المالي ونقص المعرفة بنظام البلاد الجديدة.
لقد كافحت السوس نفسها في كثير من الأحيان، ولا سيما مع نقص الوصول إلى رأس المال. تقول، "ما أقوله الآن بكلمات صغيرة، هو فقط ملخص سريع للنصر - واجهنا فترات صعود وهبوط، وكثيرا من الصعوبات، ولم يكن لدينا ما يكفي من المال لشراء آلات أكبر لجعل العمل فاعلا، لكننا لم نتوقف أبدا".
كارثة منحدرة
وجد مشروع بحثي عن اللاجئين السوريين في يوركشاير أنه في حين بدأ البعض بشركاتهم، "عانى عديد من رواد الأعمال الراغبين مشكلات مالية وبالنسبة إلى الأغلبية العظمى من اللاجئين الذين يأملون دخول مجال الأعمال فلا يوجد دعم مالي أو تمويل متاح". كان من الشائع أن ينتهي الأمر بالأشخاص في "أشكال عمل تتطلب مهارات متدنية وغير مستقرة".
تقول لوسيلا جرانادا، وهي الرئيسة التنفيذية للجمعية الخيرية للتركيز على استغلال العمالة، إنه من الصعب على البريطانيين إدارة شؤونهم المالية أثناء قيامهم بهذه الأنواع من الوظائف، فضلا عن الوافدين الجدد. قد تتضمن وظيفة التنظيف مناوبة من الخامسة صباحا إلى السابعة صباحا في أحد البنوك، ثم من السابعة صباحا حتى منتصف النهار في أحد المطاعم، قبل الانتظار حتى نهاية ساعات الدوام لبدء المناوبة التالية. لا يتم الدفع للوقت بين المناوبات، وأجر العطلة المرضية نادر، ويمكن أن تختلف ساعات العمل بشكل غير متوقع من أسبوع لآخر. اجمع بين عدم الاستقرار هذا وضعف اللغة الإنجليزية والفهم الضئيل للنظام المالي ويمكن للناس أن يتحولوا بسرعة إلى كارثة.
تقول جرانادا، "هناك بعض الروابط الكبيرة بين الأمية المالية والديون والفقر وخطر الاستغلال. وعندما تكون هناك أزمة - مشكلة صحية، أو وضع حياة صعب - فمن الشائع جدا انتهاء أمر الناس بالوقوع في الديون".
قد تأتي القروض من أفراد الأسرة، أو من أصحاب القروض أو بطاقات الائتمان. عندما عملت جرانادا في الخطوط الأمامية للدعم، كان يحضر أشخاص متوترون مع كومة من رسائل التحذير التي لم يتمكنوا من قراءتها. "إنهم يشعرون بخوف هائل، لا يفهمون ما الذي يجري... بالنسبة إلى عديد من الأشخاص فإن هذه المرة الأولى التي يحصلون فيها على بطاقة ائتمان". وتقول إنه "شائع بشكل لا يصدق" أن يطلب الأشخاص الذين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية من أطفالهم الذين لديهم مهارات لغوية أفضل مساعدتهم على الترجمة. "هؤلاء أطفال قد يجلسون أمام ممثل بنك في محاولة للتفاوض بشأن دين، أو إخبار والديهم أن لديهم كما هائلا من الديون. هذه ليست مواقف سهلة على الأطفال التعامل معها من الناحية النفسية".
تم تصميم نظام الائتمان الشامل، وهو نظام المزايا الرئيس في المملكة المتحدة، لزيادة أرباح ذوي الأجور المنخفضة. لكنه قادر على زيادة الشعور بالفوضى المالية لأن الأرباح غير المتوقعة تؤدي في الأغلب إلى مستويات متقلبة من مدفوعات المزايا. إنها أيضا خدمة رقمية يكافح كثير من الناس للتعامل معها - ليس المهاجرون فقط. فقد وجدت دراسة استقصائية حكومية شملت نحو 1،500 مطالب بالائتمان الشامل أن 54 في المائة فقط كانوا قادرين على تسجيل مطالباتهم عبر الإنترنت دون مساعدة. ونسبة الخمس عبأت الطلب عبر الإنترنت بمساعدة، بينما لم يتمكن ربعهم من إرسال مطالبتهم عبر الإنترنت على الإطلاق، ويرجع ذلك في الغالب إلى مشكلات في استخدام الأجهزة والإنترنت أو الوصول إليها.
تقول جرانادا، "إن كل شيء يصبح رقميا. السبل المتاحة للأشخاص للعثور على المعلومات، ولإيجاد شخص يساعدهم على التعامل مع النظام، كل هذا يضيق ويضيق".
الإقراض النهبي
أدت قلة الوصول إلى مساعدة من الدولة إلى وجود صناعة سرية من "المحاسبين الأدعياء الذين لا يحملون مؤهلات"، كما تصفهم أوليفيا فيكول، وهي مديرة مركز حقوق العمل. يمكن العثور على هؤلاء الأشخاص في معظم مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي للمهاجرين، حيث يعرضون تقديم المساعدة في كل شيء من التقدم بطلب للحصول على أرقام التأمين الوطنية إلى بطاقات الائتمان الشامل والتسجيل في الأعمال الحرة.
تقول فيكول، "إن السوق متنوعة جدا، هناك شركات، وهناك أيضا كثير من الهواة الذين يعبرون الحدود بين الرعاية والتجارة والمجتمع والعمل التجاري. في أسوأ الحالات، قد يكون بعض هؤلاء المحاسبين ناهبين حقيقين". وتضيف أنه بينما يقوم بعضهم بضرر حقيقي فإنه من المهم النظر إلى "سبب وجود طلب على خدماتهم أصلا".
تقول ماريا "التي لم ترغب في استخدام اسمها الحقيقي" إنه تم تهريبها من رومانيا إلى المملكة المتحدة مع أسرتها، حيث تم احتجازهم في منزل مع انتزاع جوازات سفرهم منهم. بعد أن تمكنوا من الهرب بمساعدة أحد الأقارب، وجدت عملا في مصنع لتصنيع الوسائد. تقاضى زميلها الروماني - الذي كان مشرفا في المصنع -500 جنيه استرليني لتقديم طلب نيابة عنها للحصول على رقم تأمين وطني ومعاملات أخرى. وقد تركت مع القليل من المال لدرجة أنها كانت تعتمد على بنوك الطعام حتى خطرت لها فكرة التحدث إلى المرشد الاجتماعي في مدرسة بناتها. ساعدها المرشد الاجتماعي على فتح حساب مصرفي وتوقيع عقد إيجار مع الشخص الذي كانت تستأجر منه من الباطن منه بشكل غير رسمي. لكن أقام رجل آخر صداقة مع العائلة ووعدهم بعمل جيد، وأقنعهم باستئجار شقة باسمه وحصل على قروض باسمهم.
تقول إنها تتمنى لو كانت قادرة على تحدث اللغة الإنجليزية عندما أتت، وأن حاجز اللغة جعلها تشعر بالعزلة وضاعف من قلة معرفتها المالية. لكنها تقول أيضا إنها لم تكن تعلم كيفية الحصول على المساعدة وكانت مرهقة من عمل المصنع ورعاية أطفالها. تقدم المملكة المتحدة تمويلا لمن يدرسون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، لكن تم اقتطاع التمويل 40 في المائة بين 2010 و2019، وفقا لاتحاد الكليات. وجدت ماريا المساعدة أخيرا من مركز حقوق العمل.
وجد تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2016، أنه في عديد من الدول، "يندر وجود مناهج شاملة للوصول إلى المهاجرين وأسرهم من خلال مبادرات التعليم والشمول المالي". ومع ذلك فقد خلص إلى أن هذا كان "عنصرا مهما في أي محاولة لدعم هذه الفئات الضعيفة، والحد من الفقر وزيادة الرفاهية المالية والاستقرار المالي".
تعد المكسيك مثالا بارزا للبلاد التي تحاول مساعدة المشتتين من مواطنيها من خلال توفير التعليم المالي عبر سفاراتها وقنصلياتها في أمريكا الشمالية. ومنذ 2012، تدير المكسيك أيضا أسبوعا سنويا للتعليم المالي، الذي يهدف للوصول إلى المكسيكيين في الخارج وقادة المجتمع من خلال ورش العمل والمحادثات.
تقول جرانادا، "إنه لمن السهل أن نقول حسنا، العمال ذوو الأجور المنخفضة، والأشخاص غير المتعلمين، إنها قضية تتعلق بمحو الأمية المالية، لذا هيا نعلمهم كيفية وضع الميزانية"، لكن الأمر في حقيقته لا يتعلق بذلك في معظم الحالات. بل يتعلق الأمر بفهم كيفية عمل النظام، وذلك بالتأكيد يتطلب التعليم". وتضيف، حتى مع ذلك، فإن أفضل فهم للنظام لن يحل المشكلات العميقة مثل الوظائف غير المستقرة وأسواق العمل قليلة التنظيم.
تقول فيكول إن كلا من الدعم العملي والمعلومات من شأنهما أن يساعدا على تمكين الوافدين الجدد من تحقيق طموحاتهم، وذلك يصب في مصلحتهم ومصالح وطنهم الجديد. وتضيف، "لا أحد يعيش حياته ليشعر بالأسف على نفسه، إن كل شخص ممثل في حكايته". وتقول أيضا، "هذا السرد عن الذات الريادية، والذات المرنة التي ستتأقلم، التي ستجد طريقها، التي يمكنها تحقيق أي شيء - هذه كلها تفيد الناس كثيرا وتساعدهم، إنها جزء من إحساسهم بالذات". وتتابع، "يمكنني التفكير في كل هذه الاقتباسات التي يقولها الناس، "لا تنظر إلى الوراء أبدا"، "أنا قوي، ويمكنني فعل ذلك"، إنه بالتأكيد شيء يتعلق بطباعهم".
بدأت ماريا الآن في تعلم اللغة الإنجليزية وتقول إنها لا تزال "تملك الأمل والرغبة في الكفاح" من أجل أطفالها. وفي يوركشير، أطلقت السوس وزوجها منتجات جديدة بما فيها جبن الحلوم المدخن واللبنة، وهو زبادي قابل للدهن على الخبز. لكن مصنعهم تضرر جراء العاصفة العام الماضي وكانت الجائحة قاسية عليهم. حيث قالت، "حتى لو غيرت بلد إقامتك... فأنت غير قادر على ضمان حياتك إلى الأبد، لذلك قررنا أن نواجه كل التحديات. وأضافت أيضا، "إن صنع منتجات مثل هذا الجبن، "يساعدك) فقط حتى تتذكر أن عليك الاستمرار، (تلك) هي الحياة الجيدة. إنها تذكرك بالاستمتاع بالأشياء البسيطة".
تطهير اللجوء في المملكة المتحدة
هناك عدد قليل من الأشخاص الذي يستثنيهم النظام المالي في المملكة المتحدة أكثر من طالبي اللجوء الذين ينتظرون اتخاذ قرار بشأن طلبهم. وعادة ما يحظر عليهم العمل ويجب أن يعيشوا في سكن توفره الحكومة مع تلقيهم لبدل نقدي قدره 39.63 جنيه استرليني في الأسبوع. حيث تخشى الحكومة أنها إذا سمحت لطالبي اللجوء بالعمل، فإن ذلك سيوجد "عامل جذب" قوي للهجرة غير الشرعية. لكن منتقديها مثل مجلس اللاجئين يقول إن النظام الحالي يترك الناس في مأزق اقتصادي، فهم غير قادرين على استخدام مهاراتهم أو مواهبهم لمساعدة بلدهم الجديد أو أسرهم التي يعيلونها.
إن فترة الانتظار تلك تدوم لفترة أطول. ففي الربع الثاني من 2014، حصل 87 في المائة من الطلبات على قرار أولي في غضون ستة أشهر، وفقا لمرصد الهجرة في جامعة أكسفورد. وفي الربع الثاني من 2020، انخفض هذا الرقم إلى 22 في المائة فقط. وبحلول ليلة رأس السنة الجديدة من العام الماضي، كان هناك نحو 65 ألف شخص ينتظرون قرارا أوليا بشأن طلب اللجوء الخاص بهم "بما فيهم المتقدمون الرئيسيون ومن يعيلون" - وهي زيادة قاربت سبعة أضعاف عما كانت عليه في منتصف 2010.
تقول رزان السوس عن زوجها، المهندس الذي كان يمتلك شركته الخاصة في سورية، إنه "شعر باليأس في كثير من الأحيان" عندما كان غير قادر على العمل. وتقول، "هكذا ستبدأ في فقدان مواهبك، لأن هذا هو ما يقتل مهاراتك". وهي تعتقد أنه يجب على الحكومة دراسة مهارات الأشخاص عند وصولهم والسماح لهم بالعمل في المجالات الرئيسة.
وتقول، "إن حال طالبي اللجوء القادمين إلى أي بلد هي كالأشخاص الذين كانوا يغرقون، ثم أتيحت لهم فرصة أخرى للعيش". وكما تقول، حينها، سترى الناس يعملون بكل سرور وسيستخدمون خبراتهم إذا ما أتيحت لهم الفرصة لذلك. "لا تتركوهم... لعدة أعوام حتى يشعروا بأن مهاراتهم قد تراجعت ومن ثم لا تروق لهم حياتهم".