رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المتحور الخامس .. ارتباك وأعباء

يعيش العالم في الوقت الراهن حالة ارتباك عميقة بفعل الانتشار السريع لمتحور أوميكرون "المتحور الخامس لكوفيد-19"، الذي أكد العلماء في بريطانيا أخيرا أنه أقل خطورة من متحور دلتا، لكن مشكلته تبقى في انتشاره بصورة أسرع من أي متحور آخر. وهذا الفيروس يؤثر مباشرة في الأداء الاقتصادي العالمي، ويستهدف بأشكال مختلفة النمو، وفترة الانتعاش الاقتصادي التي تلت انكماشا أضر بالعالم طوال العام الماضي. ويزداد الوضع تشويشا في ظل احتفالات أعياد الميلاد، ورأس العام، خصوصا مع رفض دول الإغلاق الكامل، وتأجيل بعضها الإغلاق إلى ما بعد الاحتفالات، واتخاذ بعضها الآخر إجراءات مقيدة لا تضرب هذا الموسم، الذي لم يكن حاضرا أساسا على الساحة في العام الماضي، فالعالم لم يعد يحتمل إغلاقا جديدا، ينال من المجتمع، والاقتصاد خسائر في آن معا.
القيود التي فرضت في كثير من الدول في هذه المرحلة بالذات، دفعت العالم ليس فقط لإعادة حساباته في التعاطي مع جائحة كورونا عموما، بل لوضع سيناريوهات واقعية في حال طالت مدة الحرب على أوميكرون، فقد كانت حكومات دول العالم تستعد حقا لإنهاء حزم الدعم، التي أطلقتها مع تفشي كورونا، وبدأ بعضها برفع معدلات الفائدة للسيطرة على التضخم، ووضع قيود على الاقتراض، والتخفيف من أعباء الديون الحكومية، وغيرها من عوامل أثارت اضطرابات في الاقتصادات المحلية في الدول الفقيرة، والنامية، والمتقدمة، فتوقف الاقتصاد لعام كامل تقريبا، لم يترك مجالا لهذه الحكومات إلا أن تتدخل وتسند المؤسسات، التي تشكل في النهاية عمق الاقتصادات الوطنية.
وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، تعرضت الأسواق المالية إلى تراجعات مقلقة، بفعل توسع دائرة أوميكرون، والخوف من الإجراءات الاقتصادية المختلفة، والمتنوعة، التي قد تتخذها الحكومات للمحافظة على مؤشرات النمو. وفي هذا الجانب تعاني الدول الغربية انتشارا واسعا للمتحور الجديد، حتى إن فرنسا فرضت قيودا على السفر إليها من بريطانيا، وأغلقت الحكومة الهولندية بلادها تماما لأجل مسمى، ووضعت ألمانيا قيودا جديدة وأعلنت حالة الطوارئ الصحية والاحترازية، في حين يفكر مستشارها الجديد أولاف شولتز، في تشديد القيود في نهاية العام الجاري.
كما أرجأت نيوزيلاندا الموعد الذي كان مقررا لإعادة فتح حدودها الدولية، أما الولايات المتحدة فالوضع ليس أفضل، إذ لا تزال إدارة جو بايدن تعاني شرائح كبيرة من الأمريكيين ترفض أصلا أخذ اللقاحات الضرورية لمواجهة كورونا، بينما كانت هذه الإدارة تحاول الانطلاق من جديد على الصعيد الاقتصادي بمبادرات ممولة أساسا من ديون حكومية، إلا أنها ستكون ضامنة لنمو كبير.
اللافت أن المتحور الجديد سجل في الولايات المتحدة أكثر من 73 في المائة من الإصابات الجديدة بكوفيد - 19، ويرتفع بمعدلات كبيرة في أوروبا وغيرها من المناطق حول العالم.
الهدف الأهم حاليا يبقى حماية الصحة العامة والمحافظة على مكتسبات النمو التي تحققت بالفعل في العام الحالي بمعدلات كبيرة، لكن يبدو أن المهمة ليست سهلة إذا ما استمرت وتيرة أوميكرون على هذا المنوال، فقد شهدنا في الأيام الماضية كيف تأثرت الأسواق بشدة من تداعيات هذا المتحور، وتم طرح أسئلة حول شكل أدائها في العام المقبل. العالم كان يراهن على نمو أقل في 2022 مما كان عليه في العام الحالي، إلا أنه أتى ضمن السياق الطبيعي لتطور النمو بعد كورونا.
ودون شك في أن توسيع نطاق التطعيم عالميا، وإيصال اللقاحات إلى مناطق تحتاج إليها بالفعل، سيسهم في خفض تأثيرات الوباء، وسيدفع باتجاه المرونة نحو الإغلاقات التي قد تكون ضرورية، ما يعزز النشاط الاقتصادي، أو يحافظ عليه، لكن في النهاية، لا تزال الأمور غامضة إلى أن تتضح الصورة تماما على صعيد شكل الحراك الاقتصادي في الفترة القصيرة المقبلة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي