التعليم الجامعي الهجين ليس ممكنا فحسب .. بل مطلوب أيضا

التعليم الجامعي الهجين ليس ممكنا فحسب .. بل مطلوب أيضا
محاضرة في كلية إمبريال في لندن.

عندما تم إغلاق أبواب الجامعات بشكل فجائي وانتقلت المحاضرات إلى الإنترنت العام الماضي، لم يكن مفاجئا أن يشعر كثير من الطلاب بسعادة أقل بشكل بشأن التعليم الذي كانوا يتلقونه. لكن في كلية إمبريال لندن كان العكس صحيحا.
في استطلاع رأي وطني للطلاب تم ترقب نتائجه من كثب في العام الماضي، ازداد رضا الطلاب في الواقع بشأن المؤسسة التي تركز على العلوم، ما خالف الاتجاه العام. نتيجة لذلك، قفزت كلية إمبريال 80 مرتبة في تصنيفات رضا الطلاب في استطلاع الرأي الوطني لطلاب الجامعات البريطانية.
وفقا لنائبة عميد التعليم، إيما ماكوي، النجاح يرجع إلى أن المحاضرين فعلوا أكثر من مجرد نقل الفصول التقليدية عبر الإنترنت.
عوضا عن ذلك، قاموا بتجربة طرق جديدة للتعلم افتراضيا. فقد قام أحد محاضري علوم الأرض بجمع البيانات من مواقع دولية لإنشاء عوالم حاسوبية ثلاثية الأبعاد لاستخدامها في رحلات ميدانية افتراضية.
وأرسلت عدة أقسام معدات "مختبر في علبة"، تشبه المعدات المخبرية لكن بحجم مصغر، إلى الطلاب كي يتمكنوا من إجراء التجارب مثل فهم سلوك الموجات الكهربائية والخصائص الحرارية للمواد في منازلهم.
الآن مع رفع القيود، بدأت الجامعات البريطانية تتكيف مرة أخرى مع المشهد التعليمي المتغير. أصبحت الندوات وجها لوجه، والمحاضرات عبر الإنترنت والجداول الزمنية التي تقدم للطلاب المرونة للجمع بين الاثنين أمرا ليس ممكنا فحسب، بل مطلوب أيضا.
تقول ماكوي، "لقد زاد الأمر من توقعاتهم. رأى الطلاب الذين كانوا موجودين هنا العام الماضي أن بإمكاننا القيام بالأمور عن بعد، ويريدون أن يروا أن هذه المرونة ستبقى متاحة لهم".
لكن ما زالت للفصول الدراسية الشخصية أولوية، لأن عديدا من الجامعات البريطانية تختار إعادة تشغيل المختبرات وحضور الندوات في الحرم الجامعي، نزولا عند مطالب الطلاب.
في كلية لندن للاقتصاد، تقول جوزي ستيفنز، رئيسة اتحاد الطلاب، إن الطلاب "عانوا حقا" نقص التواصل البشري - خاصة فرصة لقاء أقرانهم وتناول القهوة بعد الفصول الدراسية - وتمت الدعوة "بأغلبية ساحقة" للعودة إلى التعلم وجها لوجه.
تقول، "أنت تدفع كثيرا من الأموال للالتحاق بالجامعة، وقد تحصل على أربع ساعات شخصية فقط (في الأسبوع). تتمحور جميع موادنا الدراسية حول أساليب المناظرة والمناقشة، التي تعد أصعب بكثير خلال منصة زووم".
لكن هذا التحول لا يعني أن الأمور عادت إلى طبيعتها. حتى تلك المؤسسات التي تعمل الآن على جعل الوجود الشخصي فضيلة لا تزال تعقد محاضرات كبيرة بشكل افتراضي، ويخطط عديد للاستمرار في ذلك بشكل دائم.
في يونيفرسيتي كوليج لندن، كما هو الأمر في جامعة إمبيريال وكلية لندن للاقتصاد، هذا يعني أن الطلاب لديهم خيار الانضمام لبعض الجلسات عبر الإنترنت أو بشكل شخصي، في "نهج مختلط حسب التصميم"، تتم تهيئته من خلال قاعات محاضرات مجهزة خصيصا لتلك الأغراض والتدريب الإضافي للموظفين.
تقول فيونا ستروبريدج، مسؤولة التعليم الرقمي في يونيفرسيتي كولديج لندن، "نرغب برؤية تحول دائم نحو نهج رقمي أكثر ثراء في التعليم، بحيث يمكن للأساليب الرقمية أن تعزز، وتزيد حتى تحل محل بعض الأساليب التقليدية بنجاح".
يقدر الطلاب المرونة. في جامعة كوفنتري في ميدلاندز، يستمتع أوبينا أوكيريك، نائب رئيس اتحاد الطلاب لشؤون التعليم، بقدرته على حضور محاضرة الساعة التاسعة صباحا مع فنجان من القهوة في المنزل عوضا عن الذهاب إلى الحرم الجامعي. يقول، "هناك تلك التجربة الاجتماعية، ولا يمكننا تجاهل ذلك. لكن لدي الخيار".
تضيف نائبة رئيس اتحاد الطلاب لشؤون الرعاية الاجتماعية، إنديكا نوركب، أن مزيدا من المرونة قد يساعد الطلاب على التحضير بشكل أفضل للعمل. تقول، "إننا نشجع الطلاب على التفكير أكثر قليلا بمفردهم. لقد اجبرت على الاستيقاظ في الصباح، وتنسيق الأمور بنفسي، وقد وجدت في ذلك منفعة".
هناك أيضا فوائد للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة الذين ربما كانوا يعانون قبل الجائحة للدخول إلى المحاضرات الشخصية. في جامعة مانشستر ميتروبوليتان، تقول رئيسة اتحاد الطلاب، لتيشيا جونز، إنهم كمجموعة قاموا بتحسين علاماتهم الدراسية بشكل كبير خلال عمليات الإغلاق عندما كانوا قادرين على الوصول إلى التعليم عن بعد، عوضا عن إجبارهم على تفويت المحاضرات أو السفر لساعات للجلوس في غرف دراسية غير مريحة.
رؤية الأساتذة يقومون بتوفير وسائل الراحة جعلت مطالب الطلاب أكثر طموحا. "إننا نسأل الآن، هل يمكننا الاستمرار في القيام بهذا للتأكد من أن طلابنا ذوي الاحتياجات الخاصة يشعرون أنه يتم سماع ما يحبطهم، وأنهم قادرون على الوصول إلى الفصول الدراسية التي دفعوا مقابلها؟".
تحقيق التوازن بين مرونة التعلم المدمج والمنافع لحرم جامعي مزدحم هو أمر محير. يقول نائب رئيس جامعة كوفنتري لشؤون التعليم، جاي دالي، إن الموظفين كتبوا للطلاب لحثهم على القدوم إلى الحرم الجامعي، وقارن الأمر بالانضمام إلى النادي الرياضي.
يقول، "فقط لمجرد تسجيل الطلاب، لا يزال يتعين عليهم الذهاب إلى النادي الرياضي وممارسة التمارين. الأمر لا يتعلق فقط بما يحدث في الفصل الدراسي، إنه يتعلق بالصحة النفسية. هناك عنصر للحب القاسي".
يقوم مكتب الطلاب، وهو الجهة التنظيمية في الجامعات، بمراجعة كيفية تقييمه لأداء الجامعات في الوضع الطبيعي الجديد للتعلم عبر الإنترنت والحضور إلى الحرم الجامعي.
سوزان لابورث، مسؤولة التنظيم في مكتب الطلاب، تشير إلى أن أغلبية الشكاوى التي تتلقاها لا تتعلق بالقرارات السيئة بشأن تقديم التعليم شخصيا أو رقميا، لكنها تتعلق بالتواصل الضعيف مع الطلاب بشأن ما يجب عليهم توقعه.
تقول، "ليس من واجبنا إخبارهم بكيفية الموازنة بين هذه المشكلات وأي طرق التعليم عليهم اعتمادها، لكن عليهم الاستماع لطلابهم وما قد تكون رغباتهم".
أقر كل من أعضاء هيئة التدريس والإدارة العليا أن عبء أعمالهم قد ازداد. تقول ماكوي إن التعلم الهجين في كلية إمبريال - حيث يتم تشجيع الطلاب، لكن لا يجبرون على حضور المحاضرات بشكل شخصي - يزيد من عبء العمل. "علي أن أكون أكثر تنظيما قليلا حتى أتمكن من إنجاح الأمر".
وتعترف ستروبريدج بأن تحضير طاقم العمل لاستخدام التكنولوجيات الجديدة يأخذ وقتا أيضا. تقول، "قد يكون هذا تحديا كبيرا عندما يكون العمل الذي يتعين عليك القيام به كثيرا بالفعل".
كذلك أدى نقل المحاضرات والدروس عبر الإنترنت إلى تعقيدات قانونية حول الأداء وحقوق الملكية الفكرية.
جيني لينوكس، مسؤولة المساومة والمفاوضة في اتحاد الجامعات والكليات، الذي يمثل الموظفين، تقول إن واحدا من كل خمسة أكاديميين يعمل يومين إضافيين أو أكثر في الأسبوع دون توقف. لكن من غير الواضح أيضا من الذي يحتفظ بحقوق إعادة توظيف مواد المحاضرات أو مشاركتها أو بيعها - على أنظمة الجامعة أو حتى على نطاق أوسع - بعد أن يتم تحميلها.
وعن سياسات الجامعة بشأن البيانات، تقول، "هناك كثير من الآراء المختلفة بشأن ما لدينا في الاتفاقيات. لا تطرح (إدارات الجامعات) أسئلة عن كيف سيتم استخدامها، وهذه أسئلة معنوية وأخلاقية. إن عدم طرح السؤال أمر مقلق للغاية".
النتيجة، بحسب لينوكس، هي أن بعض الأكاديميين يستغلون العملية ويضعون مواد الدورة التدريبية على منصات مختلفة وغير منتمية لمنظمة مثل منصة يوتيوب، ليكونوا أكثر ثقة بتحكمهم بها.
بعد عامين من الاضطراب، يشعر موظفو الجامعة بالتوتر. في أول كانون الأول (ديسمبر)، بدأ أعضاء اتحاد الكليات المتحدة إضرابا لمدة ثلاثة أيام احتجاجا على الأجور وظروف العمل والمعاشات التقاعدية.
وعلى الرغم من أن الإضراب يعني مزيدا من الاضطراب للطلاب بعد عامين صعبين، إلا أن استطلاعا أجراه الاتحاد الوطني للطلاب اقترح أن ثلاثة أرباع الطلاب يدعمون المحاضرين. تقول جونز إن جهود المحاضرين لبذل جهد إضافي للتدريس أثناء عمليات الإغلاق، والشعور بالتضامن حيث تكيف الموظفون والطلاب مع الظروف الصعبة معا، يعني أن الشباب أكثر تفاعلا مع تحديات مكان العمل للموظفين.
وتقول أليسون ليتلجون، أكاديمية مختصة في تكنولوجيا التعلم، إن الدمج بين الجامعة والمنزل هو أيضا من المرجح أن يعقد العلاقة بين العمل والحياة، ما يدفع الطلاب للمطالبة بمزيد من الاهتمام بالموازنة بين الصحة النفسية والحياة المهنية من أصحاب أعمالهم في المستقبل.
يعتقد ما يقارب 93 في المائة من الطلاب وحديثي التخرج أن على أرباب العمل القيام بالمزيد لدعم صحة موظفيهم النفسية، وفقا لبحث أجرته برايت نيتويرك، وهي مؤسسة مهنية خاصة بالخريجين. وتقول أغلبيتهم أيضا إنهم بحاجة إلى توفير مرونة وتوجيه أكبر.
يقول بن تريجز، رئيس قسم التسويق في مؤسسة برايت نيتويرك، إن أغلبية الخريجين الجدد يرغبون في الحصول على خيارات للعمل عن بعد مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية والمحادثات بالقرب من "مبرد المياه" التي توفر فرصا تعليمية غير رسمية.
بالنسبة إلى جونز، مشاهدة الجامعات تتجه بسرعة إلى التعلم عبر الإنترنت عندما تغيرت الظروف منحت الطلاب "ورقة مساومة". في السابق، كما تقول، كانت طلبات التعلم المرن، أو حتى العمل من المنزل لبضعة أيام تعد أمرا غير مقبول. لكن من غير المرجح أن يقبل الشباب بذلك بعد الآن.
تقول، "لقد رأينا السرعة التي يمكن بها اتخاذ قرار (التأقلم). يمكن للطلاب الاستفادة من هذا من أجل تحقيق مطالبهم التي كانوا ينشدونها في السابق".

الأكثر قراءة