رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التجارة الإلكترونية .. المواصفات والحقوق

شهد قطاع التجارة الإلكترونية نموا لافتا في العقدين الأخيرين، وسجل انتعاشا كبيرا خلال الآونة الأخيرة أثناء أوقات الحجر الصحي لانتشار فيروس كورونا. وبسبب قيود التنقل التي فرضت، أصبح الإنترنت السوق المثالية لكل من المشترين والبائعين على حد سواء. وصاحبت انطلاقة هذا القطاع ازدهارا مع تطور الشبكة الدولية واتساع رقعة انتشارها واستخدامها عن طريق قطاعات تجارية ومجتمعية متنوعة، وأن هذا التطور أحدث تغييرا نوعيا في أنماط سلوك المشتري وطبيعة الأعمال، فما من منتج إلا وبات متوافرا على منصات التجارة الإلكترونية بشتى أنواعها. لكن ذلك لا يعني أن الموضوع يخلو من المشكلات وبعض التحديات، ولا سيما مع اشتداد وطأة المنافسة بين مختلف منصاتها، خصوصا تلك المصنفة ضمن أشهر المواقع العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن هناك نحو 2.14 مليار مشتر رقمي عالمي خلال 2021، بينما يتوقع أن ترتفع مبيعات هذه التجارة وتزداد نسبتها من عام إلى عام من مبيعات التجزئة في العالم. وتظهر هذه الإحصائيات الواعدة تماما النمو الملحوظ وإمكانات التجارة الإلكترونية كصناعة. وغني عن القول: إنه مستقبل الأعمال، وكي ينجح الجميع، سواء كانت شركة صغيرة أو كبيرة، فإنهم بحاجة إلى التكيف مع الاتجاهات الجديدة لهذه الصناعة المزدهرة والتغلب على العقبات التي تظهر في الطريق.
ومن هنا يمكن القول: إن أمور التجارة الإلكترونية حول العالم لا تسير بصورة مثالية رغم أن هذا القطاع يتسع ويتنوع، بعدما صار ركنا أساسيا من الحراك الاقتصادي العالمي. وهناك فوضى حقيقية حتى مع وجود تشريعات مقيدة ومتجددة لهذا النشاط، حتى أيضا مع ازدياد أعداد المستهلكين الذين يلجأون إلى أدواتها.
وفي أعقاب تفشي جائحة كورونا، ارتفعت أعداد هؤلاء بفعل إقدام الدول حول العالم على تقييد الأنشطة فيها، وتكرست حقيقة أن التجارة الإلكترونية دخلت ثقافة التسوق والإنفاق في آن معا على أغلب المجتمعات حول العالم باستثناء تلك التي لا تزال تعاني مشكلات في الوصول إلى الشبكة الدولية، أو الخدمات الإلكترونية الأساسية، وصعوبة حيازة الأجهزة الخاصة بهذه الساحة. ويظل قطاع التجارة الإلكترونية رغم كل شيء ميدانا للاحتيال والتلاعب بالمنتج، فضلا عن المشكلات التي تظهر بصورة دائمة حول جودته، وما يعرف بالخدمة بعد البيع والصيانة، وبعض الأمور التي تتعلق بحقوق المستهلك. صحيح أن الغش والتلاعب موجود في كل الميادين التجارية إلا أنه لا يمثل شيئا فيما لو قورن بساحة التجارة الإلكترونية. فبعض الجهات البائعة عبر الإنترنت يقوم بحيل مختلفة بما في ذلك تغيير دولة المنشأ على المنتج، والتلاعب بأسماء المصانع، ووضع أسماء لأخرى معروفة على الساحة العالمية. أضف إلى ذلك أن هذه الممارسات التي يحاسب عليها القانون في أي دولة، تؤدي تلقائيا إلى مخالفات المواصفات والمعايير التي تضعها الجهات التشريعية على هذا المنتج أو ذاك، والقفز فوق المعايير لا يسبب للمستهلك خسائر مالية فحسب، بل يعرضه للمخاطر الصحية. ولعل أخطر التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية هو الطلب المتزايد على حماية البيانات والأمن السيبراني وزرع الثقة في نفوس المستهلكين الذين يتعاملون مع الشركات التي تعمل في هذا القطاع.
وفي هذا الزخم المستمر لهذا النشاط وصل حجم مبيعات التجارة الإلكترونية في 2018 إلى 25.6 تريليون دولار، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد". أي: ما يوازي 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وإجمالي مبيعات التجزئة عبر الإنترنت ارتفع 19 في المائة في العام الماضي، أو عام الجائحة، بسبب القيود التي فرضتها الحكومات لمواجهة كورونا. وفي منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، يصل حجم سوقها إلى أكثر من 148 مليار دولار، وسيحقق ارتفاعا كبيرا في الأعوام المقبلة، وفق الجهات الدولية المختصة. ويشكل كل من السعودية والإمارات ومصر 80 في المائة من سوق البيع والشراء عبر الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أي أنه قطاع كبير في دول عربية محورية. وبحسب مؤسسة جو جولف، ارتفعت أرباح التجارة الإلكترونية أربعة أضعاف لتصل إلى 20 مليار دولار في العام الماضي في دول مجلس التعاون الخليجي، بعدما كانت خمسة مليارات دولار في 2015.
إن هذه السوق تزدهر في كل مكان، حققت قفزات كبيرة، وكل التوقعات تشير إلى نموها بسرعات عالية خلال الأعوام المقبلة، ورغم كل القوانين المقيدة والمنظمة لها، ولا سيما فيما يرتبط بالجوانب الخاصة بحقوق المستهلك وحمايته من الغش والاحتيال والتلاعب والسرقة وغير ذلك، إلا أن الأمر يحتاج بالفعل إلى تعزيز الثقافة الاستهلاكية في هذا القطاع المهم والنشط، والأمر ليس صعبا على أي مستهلك يستخدم الطرق الإلكترونية للحصول على السلعة التي يريدها. فما عليه إلا أن يعرف تماما حقوقه ويتواصل مع الجهات المختصة إذا ما لزم الأمر، وهذه الثقافة لن تتوسع وتنتشر إلا عبر حملات توعية ميدانية تحمي الطرف الأضعف في هذه الحلقة وهو المستهلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي