أسعار الفائدة والتوقيت المناسب
منذ بدايات القرن الحالي والتقلبات والأزمات الاقتصادية لا تكاد تفارق العالم، ومن المدهش حقا أن المعالجات التي تتم لأزمة ما تكون من مسببات الأزمة التالية، فقد بدأ هذا القرن بانهيار كبرى الشركات الأمريكية، مثل: ووردكم وإنرون، التي قادت فيما بعد أوسع تعديلات في أنظمة الشركات وفرض قواعد الحوكمة من خلال قانون سيبرنس وأوكسلي، كما تم إجراء تعديلات جوهرية على المعايير المحاسبية، خاصة في جانب القيمة العادلة وتقييم الأصول، وهي التعديلات التي أسهمت مع قضايا عدة في الأزمة المالية العالمية 2008، واضطر العالم بقيادة الولايات المتحدة لتقديم تسهيلات كبرى للشركات المتأثرة بالأزمة وتنفيذ أكبر عملية تيسير كمي في التاريخ الاقتصادي، وأصبحت فقاعات الأصول واقعا اقتصاديا جديدا يفرض نفسه بقوة.
حقيقة، إن المحافظة على هذا الواقع أصبح يفرض عديدا من التنازلات للأسواق المالية، كما أنتجت تلك الأزمة ما صاحبها من تقلبات في أسعار السلع والغذاء وتسببت أيضا في أزمات اجتماعية وسياسية، ولم ينته العقد الثاني من القرن إلا مع مشهد الإغلاق الاقتصادي الكبير لمكافحة انتشار فيروس كورونا، مع حملة عالمية كبرى قادتها السعودية لمنح الدول الفقيرة تسهيلات واسعة وتمكينها من مواجهة المرض ومكافحته بتوجيه الأموال نحو صحة الإنسان والمجتمعات، كما قدمت الدول كل التسهيلات التاريخية للقطاع الخاص في مختلف دول العالم، وتم ضخ عديد من الأموال في البنوك لمواجهة أي احتمالات للتعثر، ورغم أن هذه الإجراءات كانت حاسمة ومهمة لتجنيب العالم أزمة اقتصادية مالية واجتماعية وصحية مركبة، كان سيكون ثمنا غاليا وصعبا على كل حال.
فمع الخطط التحفيزية السخية، وبدء انتشار اللقاحات في خريف 2020 استفادت الأسهم والأصول عموما. فبحسب التقارير الدولية، تجاوزت البورصات الغربية مستوياتها التي كانت سائدة قبل انتشار الوباء، فارتفعت مؤشرات: كاك 40 الفرنسي بنحو 25 في المائة، وداكس الألماني أكثر من 13 في المائة، وفوتسي البريطاني بأكثر من 12 في المائة، فيما سجل ستاندرد آند بورز 500 ارتفاعا بنحو 24 في المائة، وداو جونز 16 في المائة، ومؤشر ناسداك 18 في المائة. ويعد هذا الوضع مبشرا جيدا عموما، لكن أقوى مما يجب، وهنا تكمن المشكلة الجديدة. وأفرزت الإجراءات الاحترازية التي شهدها العالم خلال عامين كثيرا من القضايا، فالعالم يشهد اختناقات صعبة ومعقدة في سلاسل الإمداد، وتناولت صحيفة "الاقتصادية" ذلك بالنقاش والتحليل في كلمات وتقارير اقتصادية حول الأثر العميق لهذه القضايا في التضخم العالمي كخطر مقبل.
فالتقارير تؤكد توسع السيولة في الاقتصاد نتيجة الإجراءات التحفيزية من جانب وتوجه الأسر نحو الادخار نتيجة تغيرات جوهرية في طرق ونماذج الاستهلاك، ما أسهم أيضا في ارتفاع الأسعار، حيث بلغ ذروته في الولايات المتحدة منذ 39 عاما بنسبة تزيد على 6.8 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر)، مقارنة بارتفاع 4.9 في المائة في منطقة اليورو. وفي ظل المتحورات التي تظهر من فترة لأخرى وتأثيراتها السلبية في سلاسل الإمداد وحركة العمال والتوظيف، فإن التضخم مرشح أن يستمر في هذا الاتجاه خلال المستقبل القريب على الأقل، وهذا يحدث في ظل تباطؤ الاقتصادات، وتوشك المساعدات الحكومية على النفاد.
وتوقعت شركة إدارة الاستثمارات أليانز جلوبل إنفسترز أن تطور التضخم سيستمر في اتجاه تصاعدي، وأن ردة فعل البنوك المركزية على هذه الظاهرة، سيكون الموضوع الرئيس للأسواق والقلق الأساسي للمستثمرين، كما تتوقع أن يشهد النصف الأول من العام المقبل ما سماه التقرير فترة اضطراب، ومن المتوقع أن تتجه البنوك المركزية نحو تخفيض دعمها النقدي في الربع الأول من العام المقبل، ثم تبدأ بعد ذلك في رفع أسعار الفائدة الرئيسة.
هل الوقت فعلا مناسب لتغير أسعار الفائدة؟ هذا هو السؤال الأكثر إلحاحا اليوم على كل الأصعدة، وقدمت التجارب العالمية منذ بدايات القرن الحالي دليلا لا ينفك حول تأثير قرارات اليوم في المستقبل القريب، ولذا يبدي الجميع حذرا، لأن الإجراء السريع أو القوي للغاية من شأنه أن يضغط على النمو الهش والأصول التي تحمل مجازفة، مثل الأسهم، وهذا التحذير الذي أطلقه مختصون يأتي بعد تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي قناعاته بشأن التضخم قائلا، "إنه ينبغي عدم اعتباره عابرا بعد الآن"، فمثل هذه العبارة قد تطلق حزمة من الأخطاء في السياسة النقدية، وذلك وفقا لآراء خبراء عالميين عن التضخم، وهم يرون أن 2022 عام لاختبار البنوك المركزية ومصداقيتها في سعيها إلى السيطرة على ارتفاع الأسعار.