صانعو السياسة فتحوا الخزائن وأطلقوا جني الأسواق
يمكن القول إن السوق الصاعدة في 2021 هي نفسها التي بدأت في 2009، مع تغير واحد كبير. اندفع المستثمرون الأفراد، الذين بقوا على الهامش لأعوام عديدة، بعد الانهيار المفاجئ الناجم عن الوباء في العام الماضي وظلوا منذ ذلك الحين يشترون كل انخفاض بحماس متزايد. إنهم لا يمثلون مجموعة جديدة من المستثمرين فحسب، بل كتلة تصويتية جديدة، ما يزيد من خطر رد الفعل الشعبوي العنيف في حال تحول أحد الانخفاضات إلى سوق هابطة أخرى.
تذكر أن صانعي السياسة لعبوا دورا كبيرا في بدء هذا الجنون. مع تدفق شيكات الدعم الحكومية والسيولة الجديدة من البنوك المركزية، بدأ المستثمرون الجدد في ضخ جزء من دخلهم في الأسواق، ما ساعد على دفع السوق الصاعدة إلى عامها الـ13.
قام أكثر من 15 مليون أمريكي بتنزيل تطبيقات التداول أثناء الوباء، وتظهر استطلاعات أن كثيرا منهم من المشترين الشباب الذين يتداولون لأول مرة. كان المستثمرون الأفراد أيضا نشطين للغاية في أوروبا، حيث ضاعفوا حصتهم من حجم التداول اليومي، وفي الأسواق الناشئة من الهند إلى الفلبين.
المستثمرون الأمريكيون وحدهم ضخوا في 2021 أكثر من تريليون دولار في الأسهم في جميع أنحاء العالم ـ ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق وأكثر من الـ20 عاما السابقة مجتمعة. بعد التراجع في العقد الماضي، تفوقت الأسر الأمريكية على الشركات باعتبارها المساهم الرئيس في صافي الطلب على الأسهم في 2020. وهي تمتلك الآن أسهما تزيد 12 ضعفا على صناديق التحوط.
التغطية الإعلامية تتجه إلى بلوغ الذروة في اللحظات الساخرة، كتلك التي كان فيها حشد "روبن هوود" متوجها نحو "جيم ستوب" وبعض أسهم الميم الأخرى في الشتاء الماضي، لكن الجنون لم يتباطأ أبدا. استمر "اهتمام" المستثمرين الأفراد، الذي يتم قياسه من خلال عمليات البحث على الإنترنت عن أخبار السوق ومنافذ التداول الشهيرة، في الصعود إلى عنان السماء. اشترت الأسر الأمريكية بوتيرة مذهلة طوال 2021، وبلغت ذروتها في الربع الثالث عندما ارتفعت حيازاتها من الأسهم أكثر من 16 في المائة عن العام السابق. يتطابق هذا المستوى من تدفقات التجزئة الجديدة مع الرقم القياسي السابق المسجل في 1963.
مع الأسف، بالعودة إلى انهيار 1929، فإن إحدى السمات الشائعة للأسواق الصاعدة هي أن المستثمرين الأفراد يأتون بعد فوات الأوان. اليوم يواصلون الشراء حتى مع بيع المطلعين كميات قياسية ـ تجاوزت مبيعاتهم 60 مليار دولار هذا العام. وللمطلعين سجل معاكس: يميلون إلى البيع عند الذروة. في حال تحولت السوق بشكل حاد، فإن حقيقة أن الرؤساء التنفيذيين البارزين تحركوا لتقليل مخاطرهم في الوقت المناسب لن تؤدي إلا إلى تأجيج الغضب بين المستثمرين الصغار الذين لم يفعلوا ذلك.
بدلا من الدعوة إلى الحذر، أبدى الديمقراطيون والجمهوريون، في عرض نادر للوحدة بين الحزبين، ابتهاجا لإضفاء الطابع الديمقراطي على الأسواق ودافعوا عن حق الأمريكيين في المضاربة بحرية على أسهم الميم - حتى لو بدا ذلك غير منطقي.
علامة تحذير أخرى على حدوث مشكلات وشيكة للأسواق هي الاقتراض الثقيل لشراء الأسهم، أو ديون الهامش. يبلغ صافي ديون الهامش في الولايات المتحدة الآن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ أن بدأت السجلات قبل ثلاثة عقود. جزء كبير منه موجود في حساب المستثمرين الأفراد: ارتفع اقتراضهم لشراء الأسهم أكثر من 50 في المائة خلال العام الماضي، ليبلغ بذلك مستويات قياسية كالتي شوهدت قبل انهياري 2001 و2008.
سيكون إضفاء الطابع الديمقراطي على الأسواق سلعة لا تشوبها شائبة، إذا تمت إدارة المخاطر بحكمة. اللاعبون الكبار لم يسبق أن كانت لهم، على الإطلاق، ميزة في "الأموال الذكية"، وقد يكون هذا صحيحا الآن أكثر من أي وقت مضى، لأن تكنولوجيا الإنترنت جعلت إمكانية الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالسوق متساوية، على الأقل جزئيا، بالنسبة للمستثمرين من جميع الأحجام. والمستثمرون الأفراد هم بالكاد الوحيدون الذين يظهرون علامات الهوس التي تظهر أيضا في أسواق الاكتتابات الأولية، والاندماجات، والفنون.
لكن كثيرا من المستثمرين الأفراد يضعون رهاناتهم بطريقة بطريق تتسم بدرجة كبيرة من المضاربة. مثلا، عن طريق شراء خيارات شراء ليوم واحد أو أسهم ذات قيمة اسمية منخفضة يسهل رفعها. إنها علامة سريالية لأوقات مربكة أن تسمع صراحة زعماء سياسيين اشتراكيين يدافعون عن المخاطرة الرأسمالية المتطرفة من قبل فئة من المستثمرين تضم عديدا من الناخبين من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط.
والنتيجة هي سوق مبالغ في تقديرها تاريخيا، وملكية مفرطة، وربما إلى حد غير مسبوق قابلة للاشتعال سياسيا. يتمتع الأمريكيون الآن بمستوى عال بشكل غير عادي من المدخرات وحصة محافظهم الاستثمارية التي يحتفظون بها في الأسهم تتطابق الآن مع أعلى مستوياتها على الإطلاق، التي تعود إلى 1950.
لا شيء من هذا ينذر بالضرورة بانهيار وشيك. لا يزال هناك كثير من السيولة المتدفقة حول النظام حتى بعض المستثمرين الأكثر حنكة يخشون أنه لا يوجد بديل لامتلاك الأسهم بأسعار فائدة منخفضة للغاية. لكن بعد فعل الكثير لإلهام هوس المستثمرين الأفراد هذا، قد تواجه الحكومات والبنوك المركزية رد فعل عنيفا عندما تأتي السوق الهابطة التالية حتما.
*كبير الاستراتيجيين العالميين في مورجان ستانلي إنفستمنتس مانجمنت، مؤلف كتاب "القواعد العشر للأمم الناجحة"