أسواق المال .. حقائق وصدمات
تعيش الأسواق العالمية قلقا متصاعدا بسبب مسار المتحور أوميكرون، على الرغم من أن هذه الأسواق لم تتراجع حتى الآن إلى مستويات مخيفة، فالتراجعات التي حدثت قبل أسبوعين عندما كثر الحديث عن إمكانية انتشار المتحور الجديد بسرعة فائقة، لم تدم طويلا، وسرعان ما عادت الأسهم إلى الارتفاع مجددا. لكن الضغوط ترتفع من جهة الوباء، خصوصا في ظل تفاوت واختلاف مواقف الحكومات في الدول المتقدمة وسياساتها الاحترازية حيال التعاطي معها، حيث إن بعضها يعتقد أن إغلاقا جزئيا يفي بالغرض، وبعضها الآخر أغلق بالفعل بصورة كاملة، مثل هولندا.
لكن من دون شك أن الحكومات التي كانت مترددة في الإغلاق عندما انتشر فيروس كوفيد - 19 غيرت من توجهاتها وأصبحت أكثر استعدادا لفرض قيود على الحركة، والحراك الاقتصادي. ففي بريطانيا - مثلا - تم إيقاف منافسات الدوري الإنجليزي لعدة أيام إلى أن تحسم الحكومة أمرها بهذا الخصوص.
الضغوط على الأسواق العالمية ليست محصورة بانتشار أوميكرون الذي قيل عنه إنه الأسرع انتشارا بين كل المتحورات الأخرى، بل تشمل أيضا المخاوف من توجه الحكومات إلى إنهاء خطط التحفيز التي طرحتها العام الماضي، لمواجهة التداعيات الاقتصادية لكورونا عموما، والخوف الأكبر يأتي بكل تأكيد من المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي اتخذ قراره بالفعل بإنهاء فترة التحفيز خلال الجائحة. الحكومات حول العالم تسعى إلى السيطرة على التضخم بأسرع وقت ممكن، بعد أن وصل في دول إلى معدلات خطيرة، ففي أوروبا والولايات المتحدة بلغ أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ويسعى واضعو ومخططو السياسات النقدية إلى السيطرة على ذلك التضخم بأي شكل من الأشكال، خصوصا في المرحلة الانتقالية الحالية، عقب انكماش طويل للاقتصاد العالمي العام الماضي جاء بعده نمو بات مضطربا بفعل أوميكرون حاليا.
وفي كل الأحوال، يتوقع المراقبون أن تتعرض المؤشرات الرئيسة في الأسواق العالمية الأساسية إلى مزيد من الضغوط خلال الأيام القليلة المقبلة، بما في ذلك الأسابيع الأولى من العام المقبل، متأثرة مرة أخرى بتغير النظرة الحكومية لمخططات التحفيز، وبالطبع وجود المتحور على ساحة ينتشر فيها بسرعة فائقة، فالمؤشرات الأمريكية على اختلاف طبيعتها، تراجعت أخيرا بفعل تلك العوامل.
كما أن المؤشرات الأوروبية انخفضت أيضا، بعد إعلان عده البعض غير مناسب في هذا الوقت بالذات، من جانب البنك المركزي الأوروبي الذي قلص دعمه للسياسة النقدية، وإن كان هذا التقليص جاء بصورة طفيفة.
واللافت أوروبيا، أن قطاع التكنولوجيا سجل تراجعا أكبر من تراجع هذا القطاع في الولايات المتحدة، بينما تصدر قطاع السيارات الأوروبي قائمة الخسائر في الأسواق، مع ضرورة الإشارة إلى تراجع قطاع النفط لأسباب معروفة تتعلق بإمكانية تراجع الطلب على الوقود في فترة القيود أو الإغلاق. وفي أواخر الشهر الماضي اضطربت الأسواق حول العالم بفعل أوميكرون، وكانت الخليجية من بينها، إلا أن هذه الأخيرة عادت إلى تعويض خسائرها هذا الشهر، مع بقاء الضغوط عليها بفعل التوجهات العالمية حيال السياسات النقدية، وغموض في مستقبل النمو بعد القضاء على انكماش طويل العام الماضي، ومسار انتشار أوميكرون الذي بات يمثل المحور الأول للمخاوف حول العالم.
وفي كل الأحوال، فإن كل هذه عوامل ستبقى حاضرة على الساحة، إلى أن تتضح الصورة تماما، فالنشاط الاقتصادي العالمي لا بد أن يعود كما كان قبل كورونا بأسرع وقت ممكن، ليس لضمان النمو المأمول حول العالم، بل لتعويض خسائر متعددة مني بها الاقتصاد العالمي، الذي كان يعاني أصلا نموا منخفضا قبل الجائحة.