تكنولوجيا الأعصاب يجب ألا تعامل البشر مثل الفئران

تكنولوجيا الأعصاب يجب ألا تعامل البشر مثل الفئران

قبل بضعة أسابيع، أصبحت تشيلي أول بلد يكرس الحقوق العصبية في دستورها وهي الآن بصدد الانتهاء من التشريعات لتنظيم التكنولوجيات التي تسجل أو تغير نشاط الدماغ. ومن غير المرجح أن تكون هي الأخيرة. يتطور نقاش واسع النطاق بشكل متزايد بين الباحثين والجهات التنظيمية والمحامين والفلاسفة حول المدى المسموح به للتدخل في أدمغة الأشخاص وزيادة القدرات البشرية. إنه من المهم أن الكلمات الجميلة تتبع الآن بأفعال ذات مغزى.
إلى الآن، كانت أكثر استخدامات التكنولوجيا العصبية حميدة "على حد علمنا" وهي مغطاة بشكل كبير بالتشريعات التنظيمية الطبية. إن فكرة زرع أقطاب كهربائية في الدماغ بحد ذاتها تبدو مرعبة. لكن مثل هذه الأجهزة التي تعمل في واجهة الدماغ الحاسوبية ساعدت على تخفيف أسوأ آثار مرض باركنسون وحسنت سمع عديد من مئات آلاف الناس. وتقوم كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتمويل مبادرات كبرى في هذا المجال لتحفيز مزيد من البحث الطبي والابتكار.
ومع ذلك ليس فقط مهوسو الخيال العلمي البائس وحدهم من يمكنهم تخيل كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تخدم غايات أكثر شرا. هذا ما يهدف التشريع في تشيلي لتجنبه. فقد جادل غويدو جيراردي، وهو عضو مجلس الشيوخ الذي رعى أجندة الحقوق العصبية، أن أجهزة فحص الدماغ قد تصبح قريبا قادرة على قراءة وتغيير مشاعر الناس وعقولهم، ما يؤثر في "حريتهم وأفكارهم وإرادتهم الحرة". أصبحت هذه مسألة حقوق إنسان أساسية، تحتاج إلى الحماية، كما يعتقد.
إنه من الجدير أخذ هذه المخاوف على محمل الجد نظرا إلى سرعة تطور التكنولوجيا وكمية الأموال التي يتم ضخها في هذا القطاع. فقد تم استثمار أكثر من 33.2 مليار دولار فيما يقارب 1،200 شركة في مجال التكنولوجيا العصبية خلال العقد الماضي أو نحو ذلك، وفقا لشركة نيرو تيك أناليتكس. وعلى الرغم من ذهاب معظم هذه الأموال للشركات الطبية، إلا أن بعضها مول شركات مصنعة لأجهزة فحص الأدمغة غير المتعدية، بما في ذلك خوذات ونظارات قابلة للارتداء، تم تصميمها لمزيد من الاستخدامات التجارية وهي تكاد تكون غير منظمة البتة بالكامل.
تم تنفيذ الركلة الافتتاحية لكأس العالم 2014 في البرازيل بوساطة جوليانو بينتو، وهو رجل مشلول يستخدم هيكلا خارجيا يتحكم الروبوت بعقله. ومنذ ذلك الحين، استخدم الباحثون أقطابا كهربائية مزروعة في أدمغة الفئران لتوليد ذكريات خاطئة والتلاعب بأفعالهم. كتب رافائيل يوستي، وهو أحد علماء الأعصاب الرائدين في العالم، "ما يمكن فعله بالفئران اليوم يمكن فعله بالبشر غدا".
يرأس الأستاذ يوستي مؤسسة نيرو رايتس ومقرها نيويورك، التي تقدم المشورة للمشرعين في تشيلي وتضغط على الأمم المتحدة لتبني تعريف عالمي للحقوق العصبية. تجادل المؤسسة أنه ينبغي أن تتضمن هذه الحقوق خمسة مبادئ رئيسة، عدم التدخل بالخصوصية العقلية، الهوية الشخصية والإرادة الحرة، والوصول العادل للتعزيز العقلي والحماية من التحيز. كما أنها تعكف على صياغة يمين تكنوقراطي، يوفر إطار عمل أخلاقيا لرواد الأعمال والباحثين والمستثمرين الذين يقومون بتطوير التكنولوجيات العصبية. وقامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالفعل بنشر تسعة مبادئ للابتكار المسؤول في هذا المجال.
وتساءل بعض المحامين حول ما إذا كان من المنطقي اعتماد تشريع محدد للدفاع عن الحقوق العصبية، كما يفعلون الآن في تشيلي. في عديد من الدول، فإن التشريعات تحمي بالفعل سلامة وخصوصية الجسم كله، ما يجعل الحقوق العصبية المنفصلة زائدة عن الحاجة.
إضافة إلى ذلك، لا يعكس القانون إلا "الحد الأدنى من الأخلاقيات" في حين أن المعايير العليا مطلوبة، كما تقول فرانسواز بايليس، وهي أستاذة البحث في جامعة دالهوزي، التي كتبت عن هذا الموضوع. من خلال تحديد الهوية الشخصية بشكل ضيق للغاية والتركيز بشدة على حقوق الإنسان، تخشى أن نعفي أولئك الذين يطورون مثل هذه التكنولوجيا من مسؤولياتهم الأوسع. حيث تقول، "سيكون النهج الأفضل هو اعتماد الأعراف بدلا من القوانين". لا يمكن أن يكون دافع الربح هو المحرك الأساس لاستخدام هذه التكنولوجيا.
كما هي الحال في عديد من المجالات الأخرى للتكنولوجيا سريعة التطور، يجب ربط الأخلاقيات بالتصميم الأولي للجهاز بدلا من إضافتها فيما بعد كفكرة لاحقة. يمكن أن يكون هناك قدر ضئيل من المحاسبة للحكومات الاستبدادية، التي بلا شك ستستخدم التكنولوجيا العصبية للأغراض العسكرية والمراقبة والاستجواب. لكن حيثما أمكن، ينبغي أن تتحمل الصناعة المسؤولية عن كيفية استخدام منتجاتها ومنع إساءة استخدامها.
مثل شركات وسائل التواصل الاجتماعي التي تواجه الآن حسابا عاما بعد فشلها في توقع كيف يمكن لمنصاتها أن تنشر الجدل السام، فإن صناعة التكنولوجيا العصبية ستعاني مشكلات تقنية مخيفة إذا فشلت في أداء واجبها.

الأكثر قراءة