رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التنبؤات الاقتصادية وقياس المخاطر

على الرغم من أن للمستقبل عددا من العوامل الخاصة التي تشكل أحداثه وترسم معالمه، إلا أنه بكل تأكيد سيحمل معه صورة من الحاضر، وهذا ما يجعل التنبؤ بالأحداث والظروف المستقبلية أمرا ممكنا ولو لم يكن منطقيا، ولذلك فإن الرهان عادة يكون على حسن اختيار تلك الأحداث الراهنة اليوم التي ستنتقل للمستقبل، ويكسب ذلك الرهان من كانت اختياراته صائبة. وفق هذا التصور وقبل أقل من أسبوعين على دخول العام الجديد بأحداثه، يتسابق المحللون والقنوات الإخبارية على تقديم صورة شاملة لأحداث العام الماضي والتوقعات بشأن المستقبل. وفي بيان الميزانية الذي نشرته وزارة المالية، تم تخصيص جزء منه لحالة الاقتصاد العالمي، والتنبؤات بشأن 2022، فهي العامل الأهم في بناء تقديرات المالية العامة لبنود الإيرادات.
ويأتي تقرير صنـدوق النقـد الدولي عن آفاق الاقتصاد العالمي ضمن أهم التقارير التي يتابعها العالم، حيث توقع التقرير نمـوا بمعـدل 4.9 في المائة في 2022، مدفوعا بتوقعـات نمـو اقتصاد الـدول المتقدمـة، وبمعـدل 4.5 في المائة في 2022.
لكن هذه الصورة ليست مثالية تماما، فالعوامل تتغير بسرعة كبيرة، وبعد أن صدر تقرير صندوق النقد الدولي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ليمنح الدول والمؤسسات الكبرى فرصة لبناء تقديراتها الخاصة، ظهر متحور جديد لكورونا تبين أنه الأخطر من حيث سرعة الانتشار، ما أعاد إلى العالم صور الموت في الهند، والبرازيل، وأمريكا، والدول المجاورة لها، وإذا حدث هذا فإن النمو المتوقع لن يكون كذلك، فلا يزال العالم يعاني تفشي فيروس كورونا، وهي الظاهرة الصحية الأكثر قلقا التي قد تصاحبنا في 2022، ما يعني استمرار مخاطر الإغلاق والتراجع الاقتصادي وتعطل سلاسل الإمداد.
إذن ماذا يعني التنبؤ بالمستقبل؟ إنها محاولة جادة لقياس المخاطر التي قد تقع في المدى القصير، وهو البعد المناسب لاتخاذ قرارات تخصيص الموارد، بمعنى أن الجميع بحاجة إلى إعادة توزيع مواردهم على الاستخدامات التي تمنحهم قيمة أكبر. وفي بيان وزارة المالية، فإن مؤشر مديـري المشـتريات سـجل ارتفاعـا واضحـا فـوق مسـتوى 50 نقطـة فـي كثيـر مـن الـدول، بما يشـير إلى بـدء تعافـي الإنتاج الصناعـي العالمـي.
ولهذا يرى المحللون وجود بعض النقاط المضيئة في العام الجديد، ومنها وفرة الموارد، خاصة السيولة النقدية، لدى المستهلكين بفضل ارتفاع معدلات الادخار أثناء فترات الإغلاق نتيجة انتشار فيروس كورونا، واحتمال تمديد الحكومات برامج التحفيز الاقتصادي، واستمرار تبني الولايات المتحدة ميزانية توسعية.
لكن في المقابل، هناك قلق قد يحد من اتخاذ قرارات صحيحة، خاصة عند مستوى الاستهلاك العام، فالخوف من الجائحة وإجراءات الإغلاق قد يحد من إقبال المستهلكين على عديد من الأنشطة، مثل المطاعم، ومراكز اللياقة البدنية، كما تدفعهم إلى شراء مزيد من المواد الغذائية، وإذا عاد التوازن إلى الإنفاق الاستهلاكي مرة أخرى خلال العام المقبل، فقد يسجل الاقتصاد العالمي نموا بمعدل 5.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي وليس 4.7 في المائة، كما يتوقع خبراء "بلومبيرج".
هكذا تبدو الصورة، ففي حال فرض إجراءات إغلاق خلال العام المقبل لمدة ثلاثة أشهر فقط، يمكن أن يتراجع معدل النمو العالمي إلى 4.2 في المائة فقط، وفي حال استمرت الأمور في الاتجاه الصحيح سنعود إلى النمو حسب توقعات صندوق النقد الدولي، فقرارات تخصيص وتوزيع الموارد مرهونة بالمخاطر التي من المتوقع أن تكون حاضرة في المستقبل القريب.
وعلى هذا النحو يهتم منتدى الاقتصاد العالمي بنشر تقارير عن المخاطر العالمية، وفي آخر تقرير نشره المنتدى عن المخاطر التي تواجه العالم جاءت آثار جائحة كورونا في المقدمة، نظرا إلى حجم التهديد الذي تسبب فيه انتشار الفيروس على التقدم المحرز في الحد من الفقر وعدم المساواة، وزيادة إضعاف التماسك الاجتماعي، والتعاون العالمي، وجميعها ستشكل التهديدات الرئيسة في العقد المقبل نظرا إلى أنها تمثل الأسباب التي تؤدي إلى فقدان الوظائف، واتساع الفجوة الرقمية، واضطرابات اجتماعية وتوترات جيوسياسية، إضافة إلى تهديدات الهجمات الإلكترونية وأسلحة الدمار الشامل، والاضطرابات المناخية الناجمة عن ظاهرة التغير المناخي، وارتفاع معدل التضخم في العالم، وبالتالي مواصلة أسعار الغذاء العالمية ارتفاعها.
وسيواجه الاقتصاد العالمي مخاطر قادمة، وهذا يؤكد ما أشار إليه تقرير صدر من منتدى الاقتصاد العالمي، ويضيف إليه عوامل أخرى مهددة، من بينها زيادة أسعار الفائدة الأمريكية، وانهيار القطاع العقاري الصيني، إلى جانب أن التوترات بين روسيا وأوكرانيا يمكن أن تدفع أسعار الغاز الطبيعي إلى مزيد من الارتفاع.
وفيما لو حدث تزامن بين هذه العوامل معا، فإن أمام البنوك المركزية الكبرى في العالم أسئلة صعبة، فكما أشار التقرير، فإن لقرار مجلس البنك المركزي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة أثرا في الأسواق الناشئة، وإذا تم اتخاذ تلك القرارات لمواجهة التضخم الأمريكي فقط، فإن حالة من الذعر قد تصيب الأسواق نظرا إلى ما قد تواجهه عملات الاقتصادات النامية من تحديات غير مسبوقة.
ومع هذه التحديات والمخاطر، فإن تقرير المنتدى العالمي يؤكد أن الأزمات تعلم صانعي القرار فقط كيفية الاستعداد بشكل أفضل للقادم، بدلا من تعزيز عمليات إدارة المخاطر والقدرات، ويرى المنتدى أن هناك مجالا للحوكمة لتعزيز المرونة الشاملة للدول والشركات، والمجتمع الدولي، ويرتكز على صياغة أطر تحليلية لقياس تأثيرات المخاطر مع الاستثمار، وتحسين الاتصال، ومكافحة المعلومات المضللة، مع استكشاف أشكال جديدة من الشراكة بين القطاعين العام والخاص للاستعداد لتلك المخاطر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي