رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تحفيز الاقتصادات .. تضخم وحيرة

أحيانا تكون بعض الأرقام التي تخص الاقتصاد مبهجة، أو لنقل جيدة أو جديدة، إلا أن واقع الحال على الأرض ليس كذلك، أو على الأقل ليس مرضيا، وبالتالي تحاول الحكومات حول العالم السعي الدائم إلى جعل الصورة الاقتصادية براقة، لأن ذلك يساعد على التقييمات الائتمانية التي بدورها تسهم في دعم الحراك الاستثماري المحلي، والأجنبي، وتعزز الثقة لدى المستهلك في هذا البلد أو ذاك.
وهناك جانب مهم آخر في الصورة البراقة التي تسوقها الحكومات، ولا سيما في الدول المتقدمة، ففي الولايات المتحدة - مثلا - تشغل الساكن في البيت الأبيض الانتخابات النصفية، فما أن يصل إلى المكتب، حتى يبدأ الحراك من أجل تأمين قوة دفع للانتخابات التي ستجري بعد عامين، والأمر متشابه في كثير من الدول التي تعتمد ما يشبه النظام السياسي الأمريكي.
بعض الخبراء يعتقدون أن حال ووضع الاقتصاد يعتمد على وجهة نظرة معينة ومحددة، ولهم في ذلك حجة مهمة تخص الساحة الأمريكية التي تعد مؤشرا محوريا للاقتصاد العالمي، ولمسار الاقتصادات المتقدمة. ويرى هؤلاء أن الحالة الراهنة للاقتصاد الأمريكي تثير كثيرا من الحيرة. لماذا؟ لأن الإنفاق على السلع الدائمة - مثلا - ارتفع 1.3 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر)، وسيصل بحسب التوقعات إلى 8.1 في المائة على أساس سنوي، بعد انكماش عالمي كبير ساد العام الماضي بسبب تفشي وباء كورونا.
هذا الإنفاق جاء في الواقع عبر حزم الدعم والإنقاذ التي أقرتها الإدارة الأمريكية، وتراجع معدلات البطالة التي وصلت إلى مستويات عالية جدا في عام الجائحة بعد أن ترك موظفون أمريكيون وظائفهم طواعية، وبلغ عددهم 4.4 مليون شخص، بسبب ضغوط وتداعيات كورونا السلبية على الشركات والأعمال عموما.
لكن وسط هذا التحرك الاقتصادي والنمو في مجالات كثيرة منه، هناك مشكلة ملحوظة لكنها ليست معروضة بما يتناسب مع أهميتها، وهي تلك التي تتعلق بالأجور، فنمو هذه الأخيرة ما زال ضعيفا، وهناك قطاعات عديدة لم تنم فيها الأجور مطلقا، بحجج الانكماش، والتوقف، والتعثر، وما شابه ذلك.
وهنا بالإمكان فهم الحالة النفسية للفرد الأمريكي، فهو ينفق بالفعل، لكنه ليس بحالة مزاجية مرتفعة، وهذا الأمر صار منتشرا كثيرا في الساحة الأوروبية أيضا، فحزم الدعم التي وفرت "شيكات" للأفراد، لم تخف الجانب الخاص بتوقف النمو، أو ضعفه على صعيد الأجور.
وهذه الأخيرة تطرح مشكلة كبيرة، صار حتى الأفراد العاديون غير المختصين يعرفونها، وهي تلك التي تتعلق بالتضخم، والولايات المتحدة تشهد حاليا أعلى مستوى للتضخم منذ أكثر من ثلاثة عقود، ما يجعل فرحة المستهلك أقل، أو باهتة، وضغوط التضخم ترتفع أيضا وبصورة مباشرة على ميزانيات الأسر، بصرف النظر عن مستويات دخلها.
بالطبع هناك شرائح عديدة على الساحة الغربية عموما، بدأت تضع في حساباتها الانتخابية مسألة التضخم، فحتى لو توافرت الأموال، فإن السوق تبتلعها بسرعة، وتقلل القدرة على تنويع السلع والاحتياجات عموما.
وفي كل الأحول، النظر إلى الاقتصاد من الناحية المعيشية يبقى شخصيا بالفعل، وهناك قول شهير للكاتب والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو، عن الرؤية للأمور في الحياة، حيث يقول، "الإنسان يكون غنيا قياسا بعدد الأشياء التي يستطيع الاستغناء عنها"، ولذلك فالأمر مختلف في مجال النظر إلى حال الاقتصاد العام من شخص إلى آخر، ومن مستهلك إلى آخر، فمثلا عدد من الأمريكيين توقفوا عن العمل حقا عندما وصلتهم "شيكات" الإعانة، فلهؤلاء نظرة مختلفة عن أولئك الذين يحتاجون في إنفاقهم إلى المواءمة بين ما يملكون بأيديهم وما يحتاجون إليه من سلع لهم ولأسرهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي