رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تصاميم المدن .. المتغيرات والتكلفة

على مر العقود أسهم المجال الهندسي في تغيير معالم الأرض بشكل كبير، وظهرت ابتكارات هندسية حقق بعضها نجاحا هائلا، لكن البعض الآخر تحول ليصبح كارثة، بعض هذه الكوارث الهندسية سببها عيب في التصميم أو المبالغة في التقدير أو نقص حاد في المعرفة أو الإهمال. ومع ذلك تحولت هذه الكوارث الهندسية لتصبح موضوعا للدراسة والبحث الهندسي المعاصر والتعلم من الأخطاء، بغرض تحسين المجال الهندسي في المستقبل وتفادي وقوع مثل هذه الأخطاء.
ومع ارتفاع هذه الأعداد من الكوارث الطبيعية حول العالم، وبشكل مكثف في العقدين الماضي والحالي، باتت تمثل مشكلة دائمة لسكان الكرة الأرضية جميعهم. وارتفاع هذا العدد وتنوع طبيعة الكوارث ذاتها، يأتي بشكل أساسي من التغير المناخي والتحول البيئي السلبي، والطبيعة الجغرافية لبعض المناطق التي تتعرض لموجات أكبر وأعنف من الكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير والعواصف والفيضانات وفوران البراكين، والأمطار الموسمية العنيفة، والجفاف المستمر وغيرها. ولأن التمدد الحضري توسع بشكل هائل منذ بدايات القرن الماضي وتوسع على حساب كثير من المواقع الطبيعية، مثل الغابات والصحاري والمناطق القريبة من منابع ومصبات الأنهار وقرب شواطئ البحار، وسهول الأودية، فإن المخاطر من هذه الكوارث تشمل بقوة المجتمعات الحضرية، أو سكان المدن، حيث صار سكان بعض المدن مضطرين إلى الهروب ليس من عاصفة قادمة أو إعصار آت، بل من بركان خامد سكنوا بجانبه، وفي قلب دول مثل إيطاليا وإندونيسيا وأستراليا وكندا والأرجنتين، وغيرها.
إن هذا التمدد الحضري الذي لا يبدو أنه سيتوقف، ارتفعت نسبته من 30 في المائة 1950 إلى 56 في المائة في الوقت الراهن. ويعتقد الخبراء بأنه سيصل إلى 68 في المائة بحلول منتصف القرن الحالي. ويؤكدون تحفظهم على هذه النسبة، على اعتبار أن التمدد المشار إليه أكبر.
التوسع الحضري، أو اتساع مساحات المدن على حساب المناطق النائية والريفية في كل دول العالم، فرض أمرا أساسيا في مواجهة الكوارث الطبيعية التي تعصف بهذا العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تعرضت لـ22 كارثة في العام الماضي، وتلقت هذا العام 18 كارثة على شكل أعاصير وحرائق غابات، وغيرها. وكثيرا ما تظهر المشاهد القاسية للمتضررين من هذه الكوارث في أي بلد بصرف النظر عن قدراته في الإنقاذ والتعافي والإنفاق والتعويض.
المسألة المطروحة هي تلك التي ترتبط بمحاولات خفض أعداد المتضررين من الكوارث الطبيعية في المدن، لأن آثارها تكون عادة وخيمة على مستوى المعيشة والتطور والنمو الاقتصادي. فالعاصفة التي تمر في منطقة نائية أو قليلة الكثافة السكانية مثلا، لا تترك آثارا خطيرة في سكانها، بل أحيانا لا تقع أي أضرار. لكن إعادة تشكيل المدن سيكون مكلفا لأي اقتصاد مهما كان قويا. ويشير تقرير لمجلس الاستخبارات القومي الأمريكي لتحليل المخاطر، إلى سلسلة من المخاطر الأمنية التي من المحتمل أن يواجهها العالم بحلول 2040. وهي مخاطر ستكون متعاظمة، إذا ما بقيت أشكال البناء على حالها، وغير متكيفة مع التغيرات التي تتسارع وتيرتها كل عام.
فالتصاميم المعمارية الراهنة ليست جاهزة في الواقع للصمود أمام الكوارث الطبيعية المختلفة، لكن المشكلة التي تم تحديدها بالفعل هي ذاتها مشكلة في التكاليف المطلوبة لمواجهتها أو حلها. فالتكيف المعماري مكلف، وعملية إعادة البناء أيضا مكلفة، ولذلك لا بد من استراتيجية واسعة تدعمها الحكومات لتأمين المدن من أي كوارث قد تتعرض لها. على سبيل المثال، أغلب المباني في أوروبا صارت منذ أكثر من 20 عاما مزعجة في العيش، لأن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، لا يتناسب مع شكل البناء الذي يفترض أصلا حرارة منخفضة على مدار العام. والأمر ينطبق على المباني والبيوت في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة التي يقتلعها إعصار عابر. وطالت تأثيرات الكوارث الطبيعية أربعة مليارات شخص بشكل مباشر وغير مباشر، وكلفت الاقتصاد العالمي نحو ثلاثة تريليونات دولار.
المسألة أصبحت محورية لصانعي السياسات حول العالم، ليست فقط من ناحية تطويع المساكن لمواجهة الكوارث، بل أيضا تحويل هذه المساكن إلى موفرة للطاقة. ففي الاتحاد الأوروبي هناك 75 في المائة من هذه المنازل غير موفرة للطاقة. ولا يزال هناك انقسام بين المختصين حول التصاميم المعمارية وتكيفها مع الكوارث الطبيعية، الأمر الذي يتطلب وقتا للوصول إلى نقطة انطلاق لمدن يمكنها الصمود أمام أي كارثة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي