جولة الخليج .. مكتسبات وتحالفات

في وقت مليء بالتحديات الكبرى التي تهدد العالم أجمع وفق ظروف مختلفة، وبينما يتحد العالم أجمع أمام أزمة كورونا نظرا لما تسببت فيه من تراجع واسع النطاق في بنية الاقتصاد العالمي، وحركة سلاسل الإمداد عموما، فإن التعاون البناء المثمر والتكامل الاقتصادي المستند إلى علاقات تاريخية ممتدة بين الشعوب، سيكون المرتكز الأساس في استمرار التقدم الذي تطمح إليه دول الخليج.
وإذا كانت جميع الرؤى الاقتصادية لدول الخليج تضع موقعها الاستراتيجي كإحدى المزايا النسبية التي ترتكز عليها مختلف البرامج والاستراتيجيات، فإن تعزيز العلاقات المشتركة بينها يعد الركيزة الأساسية لتعظيم الاستفادة من هذه المزية النسبية وبناء منظومة اقتصادية متكاملة لتحقيق أمن اقتصادي مستدام لكل دول الخليج، مع تنوع في سلاسل الإمداد، وسلاسة الوصول إلى الأسواق، ولن يتحقق ذلك دونما عمل جاد، وفق قواعد تصاغ بحكمة ودراية تستلهم النجاح من القادة المؤسسين والتجربة العريضة، والخبرات المتراكمة للعمل المشترك، وتضع التحديات العالمية القائمة نصب العين.
ووفق هذا التصور جاءت نتائج الجولة الرسمية للأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع لدول مجلس التعاون الخليجي مؤكدة قوة هذه الدول وتماسكها، ووحدة الصف، وتوجهاتها السياسية والاقتصادية بحكم الجغرافيا، والتاريخ.
الزيارة كانت لها أصداء كبيرة على جميع الأصعدة وما صاحبها من نتائج وردود أفعال مع ما لقيه ولي العهد من ترحاب رسمي وشعبي كبير عبر فيه الشعب الخليجي بكل صدق عن تقديره البالغ لهذه الزيارة، والآمال المعقودة عليها، للحفاظ على المكتسبات، وإحداث قفزة نوعية وجوهرية في العمل الخليجي الطموح، وإعادة صياغته بما يحقق الطموحات الكبرى، وتحقيق أولوية الاستقرار الخليجي، وتعزيز العمل المشترك خلال الفترة الحالية، ووحدة الصف لمواجهة التحديات الخارجية.
كما ركز العديد من وسائل الإعلام الخليجية أيضا على جولة ولي العهد التي وصفت بالاستراتيجية، وأنها تأتي في وقت مهم للغاية لدول المنطقة، وقبل أيام من انعقاد القمة الخليجية التي تستضيفها السعودية.
ومن عمان شهد قصر العلم في عاصمتها مسقط، بدء الزيارة التي حققت ثمارها الاقتصادية والسياسية، والدبلوماسية، حيث تم توقيع اتفاقيات ورسم خطط مستقبلية لمشاريع لوجستية تخدم البلدين والمنطقة، وانتهى الحوار في مسقط بالتأكيد على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتوقيع مذكرات تفاهم بقيمة 30 مليار دولار في عدد من القطاعات الاقتصادية، إضافة إلى خمسة مليارات دولار سيستثمرها صندوق الاستثمارات العامة السعودي في عمان.
وجاء افتتاح طريق بري بين البلدين بطول 725 كيلومترا ليسهم في تحقيق هذا التكامل الاقتصادي والتنقل السلس، وتكامل سلاسل التوريد بين البلدين، ويصنع بيئة اقتصادية بشكل أوسع ويحقق مكاسب تجارية، ويزيد من قوة التبادل التجاري بين البلدين.
وبمراسم احتفاء كبير استقبلت أبوظبي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كما كان هناك ترحيب كبير شعبي ليؤكد متانة العلاقات الأخوية والاستراتيجية التي تربط البلدين، والشعبين الشقيقين، والآمال العريضة المعقودة على هذه الجولة التاريخية في تفعيل العمل الخليجي والعربي المشترك، وترسيخ أركان الاستقرار الإقليمي، إلى جانب تأكيدها على تطابق وجهات النظر بشأن الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية.
وفي الدوحة التي شهدت عقد المجلس التنسيقي السعودي القطري والتوقيع على البروتوكول المعدل لإنشاء المجلس، من أجل العمل على تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب ما حظي به البيان المشترك من بنود أكدت أهمية التعامل بشكل جدي مع الملف النووي والصاروخي لإيران بمكوناته وتداعياته كافة، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار، مع التشديد على مبادئ حسن الجوار واحترام القرارات الأممية، والشرعية الدولية، وتجنيب المنطقة جميع الأنشطة والتدخلات المزعزعة.
وفي البحرين تم الاتفاق على تعزيز وتنمية العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين الشقيقين، والاستمرار في تنفيذ المشاريع المشتركة وتعزيز التعاون المستمر الذي يهم مستقبل المنطقة.
وفي ختام الجولة الخليجية وفي الكويت تحديدا جرت محادثات عبرت عن أواصر الأخوة المتجذرة بين البلدين الشقيقين والروابط التاريخية المتينة.
وبالفعل كان لزيارة ولي العهد لدول الخليج أثر عميق وحققت ثمارها الاقتصادية، والسياسية والدبلوماسية، والاستراتيجية المستقبلية، وأكدت أن دول الخليج تعد كتلة لها وزنها وثقلها ودورها البارز على مستوى العالم، وأنها ذات تأثير فعال في القضايا التي تهم العالم أجمع.
كما أكدت الزيارة مفهوم الخليج الواحد، وأن توقيتها جاء ليعزز مسيرة العمل الخليجي، والدفع به نحو آفاق أرحب، مع الاستفادة من الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به دول المجلس، والعمل على تطويره في جميع الجوانب، لجعل المنطقة أكثر جذبا اقتصاديا، وتجاريا، واستثماريا، لتحريك قواها التنموية لتكون محط أنظار العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي