استثمارات الأسهم والمخاطر المخفية
لا تزال الأسواق العالمية ولا سيما الرئيسة منها تعيش قلقا بشأن أدائها في المرحلة القصيرة المقبلة. ورغم هذا القلق والتذبذب فإن الأسهم حققت ارتفاعات ملحوظة خلال الأيام القليلة الماضية، بعد هزات تلقتها أواخر الشهر الماضي، في أعقاب الإعلان عن ظهور انتشار المتحور الجديد "أوميكرون" الذي دفع بعض الدول إلى اتخاذ إجراءات جزئية مقيدة. ويبدو واضحا، أن الاستثمار في الأسهم يحقق قفزات رغم التوتر المشار إليه. فعدم اليقين في الأسواق الآتي من تداعيات جائحة "كورونا" ومتحوراتها يسري على كل القطاعات تقريبا، وفي مقدمتها أسواق الأوراق المالية والأسهم والسندات، بينما يشهد التضخم في الدول المتقدمة ارتفاعا مزعجا، بحيث وصل في بلد مثل الولايات المتحدة إلى تسجيل أرقام ومعدلات قياسية غير مسبوقة.
وفي كل الأحوال، أدى الإقبال المتزايد على الاستثمار في الأسهم إلى ارتفاع أسعارها، وبلغت أعلى تقييماتها تاريخيا، أو اقتربت منها. إلا أن المراقبين يعتقدون أن المخاطر تتزايد، وكثير منها مخفي عن الأنظار. واللافت أن الجهات الاستثمارية المحورية مثل صناديق التقاعد ومؤسسات الوقف والجمعيات الخيرية، وفي مشهد نادر، قررت أن ترفع من مستوى المخاطر بضخ استثماراتها في الأسواق العالمية، وهي الجهات المعروفة بأسلوبها المحافظ في المخاطر في هذا المجال. وعادة ما ينظر إلى خسارة أو تراجع عوائد هذه الجهات الاستثمارية ذات الهوية الاجتماعية، على أنها كارثية حقا، لأنها ترتبط بقاعدة عريضة من المستفيدين منها، فضلا عن برامجها الخيرية والإنسانية المختلفة. والإقبال على الأسهم يشمل كل الجهات الاستثمارية الكبيرة والمتوسطة، خصوصا في الأسواق العالمية الرئيسة.
ولا شك في أن السياسات النقدية التي أطلقتها الحكومات حول العالم لمواجهة الآثار المترتبة على الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء "كورونا" قبل عامين تقريبا، أسهمت بصورة مباشرة في رسم الحراك الحالي للأسواق بشكل عام. فليست هناك مبررات واضحة لقيام المستثمرين بشراء الأسهم عند الأسعار المرتفعة القياسية لها، إلا إذا أخذنا في الحسبان القرارات والتشريعات المالية التي تتخذها الحكومات بضغوط من الأزمة. ولذلك يعتقد الخبراء، أن ضغط الشراء الناتج عن الاستراتيجيات الحالية، لا يؤدي إلا إلى ارتفاع الأسعار وتوجيه رأس المال إلى الأصول الخطرة. وهنا ترتفع الأصوات قليلا على شاكلة تلك التي تحذر من مغبة تحمل المزيد من المخاطر، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج كارثية للمستثمرين ورؤوس أموالهم.
في ظل هذه الظروف والمتغيرات الاقتصادية التي يشهدها العالم بشكل عام، بفعل أزمة "كورونا" وروابطها، تقف مستويات المخاطر عند أعلى مستوياتها في تاريخ السوق، بينما يرى البعض أنها قريبة من هذه المستويات المرتفعة. فالقيمة السوقية للأسهم الأمريكية العامة والخاصة المحلية تبلغ 280 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين سجلت سابقا أعلى مستوى لها في تسعينيات القرن الماضي، مع انفجار أزمة ما عرف وقتها بـ "فقاعة الإنترنت". وهنا، تظهر بوضوح المخاوف من أي خسائر ربما تتعرض لها هذه الأصول في هذا الوقت على وجه الخصوص، بينما تسيطر حالة عدم اليقين الاقتصادي حتى على النمو العالمي، فضلا عن التعافي الذي بات مهددا بعض الشيء من المتحور الجديد، وإن تراجعت التحذيرات حوله في الأيام الماضية.
التوقعات بالنسبة إلى المستثمرين الذين فضلوا رفع مستوى المخاطر الاستثمارية لديهم، ليست إيجابية تماما، فالأضرار واردة، وستكون قوية والبعض يتحدث عن إمكانية أن تكون هذه الأضرار - إذا ما وقعت - طويلة الأمد، الأمر الذي يعطي صورة مضطربة بعض الشيء في هذا السياق للمشهد العام.