هنري كيسنجر .. لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط
مع اندلاع حرب تشرين الأول (أكتوبر) بين العرب والإسرائيليين في عام 1973، راقب طالب أسترالي الصراع من مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالقرب من غزة بقلق. كل ليلة، كان يستمع إلى إذاعة بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا حول الرحلات المكوكية التي كان يقوم بها هنري كيسنجر، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، من موسكو إلى القاهرة والقدس والعودة مرة أخرى في سعيه للتوسط من أجل إيقاف لإطلاق النار.
أصبح هذا الشاب الأسترالي، مارتن إنديك، مواطنا أمريكيا وعمل مستشارا للشرق الأوسط لبيل كلينتون، وسفير أمريكا في إسرائيل، ومبعوث باراك أوباما للإسرائيليين والفلسطينيين - مهنة عبثية تركته متشككا في إمكانية فرض الغرباء صفقات كبيرة على الشرق الأوسط.
على طول الطريق، بدأ إنديك يميل إلى النهج الأكثر تدرجية - رغم أنه أكثر بهرجة - الذي مارسه كيسنجر في السبعينيات. والنتيجة هي هذه الرواية الرائعة المكونة من 570 صفحة لواحدة من أكثر السجلات الدبلوماسية إثارة في التاريخ الحديث.
ينبغي بالضرورة عدم اعتبار عنوان كتاب إنديك "سيد اللعبة" Master of the Game إطراء لكيسنجر. ففي اللحظات الحاسمة خلال الأزمة، كان هذا الوصف صحيحا تقريبا بالمعنى الحرفي للكلمة. وفي خضم الدبلوماسية المكوكية، فقد ريتشارد نيكسون، رئيس الولايات المتحدة المحاصر، نائبه سبيرو أجنيو بسبب تهم بالفساد، وأقال المدعي الخاص في ووترجيت، أرشيبالد كوكس، وكذلك المدعي العام الأمريكي ونائبه في "مذبحة ليلة السبت" المشينة، وتراجع لفترات طويلة إلى غرفته الخاصة في الطابق الثاني في البيت الأبيض. وفي غضون عشرة أيام، أطلق الكونجرس التوبيخ الذي سيبلغ ذروته باستقالة نيكسون في آب (أغسطس) 1974.
كل ذلك ترك المجال الجيوسياسي مفتوحا على مصراعيه لكيسنجر، الذي كان وزير خارجية نيكسون ومستشار الأمن القومي، وبالتالي كان بالفعل مفوضا مطلق الصلاحية نوعا ما.
لم تكن المعركة بين الجيشين الإسرائيلي والمصري في صحراء سيناء مجرد عرض جانبي، بل كانت النقطة الأشد اشتعالا في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في تلك الفترة نفسها، تفاوض كيسنجر على الخطوط العريضة لإيقاف إطلاق النار مع الزعيم السوفياتي، ليونيد بريجنيف، حيث ظل يتحدث في الكرملين حتى ساعات الصباح وعاد إلى الولايات المتحدة في اليوم التالي بقرار من الأمم المتحدة تم تمريره في الليلة نفسها.
في خضم كل هذا حصل كيسنجر بشكل مثير للجدل على جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع لو دوك ثو، بسبب الصفقة التي أبرماها لإنهاء حرب فيتنام. كانت لحظة ذروة الدراما عندما وضع كيسنجر القوات الأمريكية على "ديفكون 3"، أعلى حالة تأهب نووي في وقت السلم، بعد أن هدد السوفيات بإرسال قوات برية إلى الشرق الأوسط مع تذبذب إيقاف إطلاق النار. يكشف بحث إنديك أن من شبه المؤكد أنه لم تتم استشارة نيكسون قبل هذا التصعيد في وقت متأخر من المساء. لقد كان في الطابق العلوي. وكان معظم وزراء الخارجية الأمريكيين يصارعون مع هذا السلوك على مدى أربعة أعوام. وحدث كل هذا في ثلاثة أسابيع.
يغطي كتاب إنديك فترة الثمانية أعوام من انخراط كيسنجر في الشرق الأوسط. إنه تاريخ شاق لفترة حلت فيها الولايات المتحدة محل الاتحاد السوفياتي قوة خارجية رئيسية في المنطقة، وانعكاس أعمق لفلسفة كيسنجر الدبلوماسية.
على مستوى مجرد، كان نهج كيسنجر يعني تطبيق فن الحكم لدى كليمنس فون ميترنيخ ولورد كاسلريه، مهندسي مؤتمر فيينا عام 1815، الذي أوجد "توازنا" أوروبيا، أو توازنا للقوى، تدعمه "شرعية" القوة العظمى التي استمرت 100 عام. كان يريد تجنب المزالق التي وقع فيها الرئيس الأمريكي، وودرو ويلسون، الذي أبرم معاهدة فرساي التي شكلت بعد 104 أعوام بذور الحرب المروعة التالية في القرن الـ20.
بالنسبة إلى كيسنجر كان السلام يعني حرفيا "غياب الحرب". وبالنسبة إلى خلفائه الأكثر مثالية في الولايات المتحدة - الذين وظف العديد منهم إنديك - كان السلام يعني السعي وراء الصفقات الكبرى التي فشلت حتى الآن. لم يكن هدف كيسنجر الوصول إلى اختراق دراماتيكي، ولكن إضعاف جيران إسرائيل العرب إلى أن يقبلوا بوجودها. لقد انطوى هذا على تحركات متناقضة في الظاهر. ففي مرحلة ما، نظم كيسنجر عملية نقل جوي ضخمة لإمدادات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل. وبمجرد أن تحولت المعركة، فعل كيسنجر كل ما في وسعه لمنع إسرائيل من هزيمة الجيش المصري الثالث. لأن إذلال أنور السادات في مصر سيجعل السلام مستحيلا. كان التوازن هو كل شيء.
مثل هذا التقلب يعني أن كيسنجر كان متواطئا بطبيعته. اعتبره موظفو البيت الأبيض "عبقري غريب الأطوار". يكتب إنديك أن هذا، إلى جانب معاداة نيكسون للسامية، أجبر كيسنجر على "إخفاء دعمه لإسرائيل لأنه كان محل شك منذ البداية". حتى أن كيسنجر خدع الإسرائيليين. فذات مرة، استقبله المتظاهرون في تل أبيب بلافتات كتب عليها "هتلر أبقى عليك لإنهاء المهمة" و"الولد اليهودي" و"كابو". (سجين في مخيم نازي يتمتع بمزايا مقابل مراقبة السجناء الآخرين).
مقارنة بالبروتوكولات اليوم التي تخضع بدرجة عالية للقانون، فإن أساليب كيسنجر تبدو غريبة. عندما كان الموقف يملي ذلك، أتقن فن إيجاد وهم الفعل - "مكانك سر"، كما سماه. فقد كان يقنع رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك، جولدا مائير، بشيء والسادات بشيء آخر ويقدم كلا منهما باعتباره مبادرة حقيقية للآخر. كتب كيسنجر في مذكراته: "قد تقوم السياسة على المعرفة، لكن سلوكها فن".
على الرغم من أن إنديك معجب بكسينجر، إلا أنه يستكشف العيوب في نهجه. من بين هذه العيوب النزعة، في سعيه لتحقيق النظام من خلال التسلسل الهرمي، إلى تفويت فاعلية الفاعلين غير الحكوميين مثل منظمة التحرير الفلسطينية.
التدرجية التي اتبعها كيسنجر تعني أيضا أنه فوت فرصا. كان الرئيس جيمي كارتر، ومستشاره للأمن القومي، زبيغنيو بريجنسكي، على غرار كيسنجر هما اللذين توصلا إلى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. وبالنظر إلى سمعة الحرب الباردة السيئة لكيسنجر - قصف كمبوديا، مثلا، أو الانقلاب المدعوم من وكالة المخابرات المركزية في تشيلي - فإن المزايا التي تم وضعها في كتاب" سيد اللعبة" تخاطر بالتجاهل. سيكون ذلك أمرا مؤسفا. مع دخولنا ما يهدد بأن يكون عقدا مضطربا، تبدو دروس السبعينيات ذات صلة بشكل ملح.