رياح ثورة الاستثمار الكمي تهب على سوق سندات الشركات

رياح ثورة الاستثمار الكمي تهب على سوق سندات الشركات
قاعة تداول تابعة لشركة سيتادل التي تراهن على الاستثمار في سندات الشركات بعد التسارع الحاد الذي شهدته التداولات الإلكترونية في العامين الماضيين.
رياح ثورة الاستثمار الكمي تهب على سوق سندات الشركات
يخشى كثير من المستثمرين الآن أن موجة الصعود الطويلة والقوية بشكل ملحوظ في أسواق الدخل الثابت ربما باتت قريبة من نهايتها.

قبل عامين صعد ريتش دونيك درجات مقر شركة بلاك ستون في نيويورك لحث المجموعة الاستثمارية على جعله يتولى إدارة جزء من أموالها. كانت شركة بلاك ستون مأخوذة برؤية شركته لمستقبل سوق السندات لدرجة أنها اشترت العام الماضي الشركة بأكملها، شركة دايفيرسيفايد كريدت إنفستمنت "دي سي إي".
لطالما هيمن على سوق سندات الشركات نوع التجارة القديمة والغرور الكبير الذي اشتهر من قبل المؤلفين توم وولف ومايكل لويس. لكن شركة دي سي إي تنتمي إلى سلالة جديدة من شركات إدارة الأموال التي تأمل في إحداث هزة في السوق باستخدام قوة المعالجة والنماذج والخوارزميات والبيانات الضخمة لانتزاع الأموال بشكل منهجي من التشوهات في الأسعار.
الإمكانات هائلة. يبلغ حجم سوق سندات الشركات العالمية أكثر من 40 تريليون دولار، لكنه لم يتأثر بثورة الاستثمار "الكمي" التي تعمل على الحاسوب وأعادت تشكيل سوق الأسهم في العقود الأخيرة. بعض مما يسمى المحللين الكميين يشعرون بالحماس تجاه الفرص. يقول دونيك، "كان هناك تطور حقيقي سريع في كيفية عمل ائتمان الشركات".
في الوقت نفسه، أدى الانحدار في أسعار الفائدة والتضخم على مدى أربعة عقود إلى موجة صعود طويلة وقوية بشكل ملحوظ في أسواق الدخل الثابت، لكنه صعود يخشى كثير من المستثمرين الآن أنه يقترب من نهايته. تعد الحاجة إلى نهج جديد للتعامل مع الحقبة المقبلة أحد الأسباب التي دفعت شركة بلاك ستون للانقضاض على دي سي إي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، على الرغم من أنها كانت تدير 7.5 مليار دولار فقط في ذلك الوقت.
يقول دوايت سكوت، الرئيس العالمي لذراع الاستثمار الائتماني لشركة بلاك ستون، "نحن في نهاية 40 عاما من سوق السندات الصاعدة، ويتعين علينا الإبحار في سوق هابطة في مرحلة ما في المستقبل. من خلال اتباع نهج أكثر نظامية للمخاطرة في الدخل الثابت، يمكنك التفوق في الأداء حتى لو كنت تواجه بيئة ليست حميدة كما كانت طوال حياتي المهنية".
يسخر عديد من المتشككين من فكرة أن مجموعات مثل شركة دي سي إي يمكنها تكرار الزلزال الكمي الذي بدأ يهز أسواق الأسهم منذ ثلاثة عقود. من الصعب المبالغة في تقدير التحديات. حتى إن بعض المتفائلين يعترفون بأن ديون الشركات مختلفة اختلافا جوهريا – مبهمة وفوضوية ويتم تداولها في الأغلب عبر الهاتف بدلا من البورصة – وأن هناك حدودا لمدى قدرتها على متابعة الرحلة التي سلكتها سوق الأسهم منذ الثمانينيات.
لكن بعد التسارع الحاد في تداول سندات الشركات الإلكترونية خلال العامين الماضيين، أصبح التفاؤل واضحا في بعض أركان الصناعة. وتراوح الشركات التي تراهن الآن على "الاستثمار الائتماني المنتظم" من مديري الأموال التقليديين الكبار مثل بلاك روك إلى عمالقة صناديق التحوط مثل "سيتادل" و"مان جروب".
يجادل بول كامينسكي، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة مان جروب، بأن سوق ديون الشركات هي "الحد الأخير الكبير" للمستثمرين الكميين مثل صاحب عمله – لكنها سوق ستخضع حتما للتقدم الكمي أيضا.
يقول، "يأتي الأمر مع تحديات حقيقية، لكنه يبدو حقا وكأنه المقدمة، والحافة النازفة للاستراتيجيات المنهجية. نعلم جميعا أن الأعوام الذهبية لعملية استثمار الأسهم المنهجية كانت الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الـ21. أعتقد أننا في الأعوام الذهبية للائتمان".

رواد التحليل الكمي
منذ عقود، في عصر الحزام والحمالات التماثلية في "وول ستريت"، كانت الآلة الحاسبة الضخمة هي كل ما يتطلبه الأمر للحصول على ميزة.
عندما بدأ دونالد سوسمان تداول السندات القابلة للتحويل في الستينيات من القرن الماضي، أقنع رئيسه بأن يشتري له آلة حاسبة من نوع فرايدن بقيمة ألفي دولار يمكن أن تقسم إلى ست منازل عشرية في لحظة تقريبا. يتذكر قائلا، "لقد منحتنا ميزة كبيرة على المتداولين الآخرين في السوق".
أصبح سوسمان فيما بعد رائدا في صناعة صناديق التحوط، وكان رائدا بارعا في كيفية تطورها. في عام 1988، قام بتمويل عالم حاسوب سابق لزمانه يدعى ديفيد شو، يدير صندوق التحوط الذي يحمل اسمه، "دي إيه شو"، اليوم أكثر من 60 مليار دولار وساعد في بدء الثورة الكمية التي أعادت توصيل صناعة الاستثمار.
يعتقد سوسمان الآن أن الوضع مثالي لجيشان مشابه في أسواق سندات الشركات، وهو مصمم على أن صندوق التحوط الخاص به، بالوما بارتنرز، سيستفيد منها. يقول، "الأمر مشابه جدا للأيام الأولى للتداول الكمي للأسهم. مجموعة الفرص كبيرة لأنه يوجد القليل جدا من رأس المال المخصص لهذا النوع من التداول. إنه مفتوح على مصراعيه".
لطالما كانت مجموعات الاستثمار الكمي نشطة في سوق السندات الأوسع، تستعرض اتجاهات الدين الحكومي، مثلا، أو تستفيد من اختلافات التسعير في مشتقات الدخل الثابت. بدأت شركات مثل باركليز جلوبال إنفيسترز – وهي الآن جزء من بلاك روك – بالانغماس في الاستثمار المنهجي في سندات الشركات في التسعينيات. لكن سوق ديون الشركات أثبتت أنها قاحلة بالنسبة لكثير من الاستراتيجيات التي تعمل على الحاسوب.
ديون الشركات التي يشار إليها في الأغلب بـ"الائتمان" في الصناعة، هي أكثر تعقيدا بكثير من الأسهم. ففي حين أن الشركة في الأغلب ما يكون لديها سهم واحد معلق، يمكن أن يكون لديها العشرات من السندات الفردية الخاصة. لا تتأثر هذه العوامل بأساسيات الشركة فحسب، بل تتأثر أيضا بالمد والجزر الأوسع في أساسيات الاقتصاد الكلي.
يقدر الاتحاد العالمي للبورصات أن هناك ما يقارب 48 ألف سهم على مستوى العالم. وتقدر خدمات كيوسب العالمية، وهي شركة تصدر أرقام تعريف للأوراق المالية، أن هناك أكثر من 515 ألفا من سندات الشركات في الولايات المتحدة وحدها.
على عكس الأسهم العادية، السندات لديها آجال بالفعل. والمعلومات الخاصة بها غير منظمة. حتى بيانات التداول بدائية، على عكس المعلومات الدقيقة اللحظية التي يتمتع بها مستثمرو سوق الأسهم. حدثت معظم عمليات التداول تاريخيا عبر الهاتف وعبر البنوك الاستثمارية الكبرى مثل باركليز وجولدمان ساكس ودويتشه بنك أو سيتي، وحتى سندات الشركات المتداولة بنشاط لا تشهد سوى عدد قليل من الصفقات في اليوم. وكثير منها لا ينتقل من يد إلى أخرى.
مع ذلك، سوق الائتمان تتطور بسرعة. أدى صعود صناديق السندات المتداولة في البورصة إلى موجة من الابتكار، ويتحول النشاط تدريجيا إلى المواقع الإلكترونية مثل ماركت أكسيس وترايد ويب. وعملت الجائحة على زيادة تأجيج هذا الاتجاه.
في تشرين الأول (أكتوبر)، تم تداول 37 في المائة من سندات الشركات الأمريكية عالية الجودة إلكترونيا، ارتفاعا من 21 في المائة في أوائل عام 2019، وفقا لشركة كواليشن الاستشارية. قفزت حصة التداولات الإلكترونية للسندات غير المرغوب فيها في الولايات المتحدة من 12 في المائة إلى 29 في المائة خلال الفترة نفسها. التحول نفسه يحدث في أوروبا أيضا. في الواقع، تقدر شركة فلو تريدرز، وهي شركة تجارية كبيرة مقرها أمستردام، أن ما يقارب نصف تداول سندات الشركات عالية الجودة المقومة باليورو أصبح الآن إلكترونيا.
أتاح ذلك تداول سندات الشركات عن طريق الخوارزميات، وهي تداولات ربما كانت تتم على الورق فقط في الماضي. يقول ديفيد هورويتز، الرئيس التنفيذي لشركة إجيلون كابيتال، إحدى مجموعات الاستثمار القليلة التي تركز على هذا المجال، "وصلت السيولة والشفافية إلى نقطة أصبحت فيها الاستراتيجيات ممكنة فعليا الآن ـ بعدما كانت دائما منطقية جدا لكنها مكثفة للغاية بحيث لا يمكن تنفيذها".
هناك عديد من الأساليب المختلفة التي يتم استكشافها. وهي تراوح من تكرار ما تفعله عديد من صناديق السندات التقليدية بالفعل بطريقة منهجية وخالية من المشاعر، إلى استراتيجيات شبيهة بصناديق التحوط العالية المخاطر مثل "الموازنة الإحصائية" – تحقيق أرباح صغيرة بشكل أساسي من عدد لا يحصى من مواطن الخلل في الأسعار – أو جعل الآلات تقرأ وثائق السندات المعقدة والبنود القانونية بشكل فوري بحثا عن علامات وجود مشكلة. لكن المطلعين على الصناعة يقولون إن كل شيء في الصناعة البدائية ينمو بسرعة.
تقوم شركة مان جروب بتحليل أنماط التداول، وتقدر أن هناك الآن ما لا يقل عن 31 مليار دولار تحتفظ بها استراتيجيات ائتمان منهجية مختلفة، أي أكثر من ضعف أثرها قبل عامين فقط. وتقدر شركة بلو كوف ـ مقرها لندن ـ أن في سوق الدخل الثابت بأكملها يوجد الآن ما يقارب 300 مليار دولار من الاستراتيجيات الكمية، مقارنة بمبلغ عشرة تريليونات دولار لاستراتيجيات الأسهم المنهجية.
يقول أليكس خين، الرئيس التنفيذي لشركة بلو كوف، "أعتقد أن النهج التقليدي الحرفي لإدارة صناديق السندات سيتعرض بشكل متزايد للتهديد من نهج أكثر علمية".

تحليل الشفرة
تم إنشاء شركة دي سي إي – التي أعيدت تسميتها الآن إلى وحدة الاستراتيجيات المنهجية في شركة بلاك ستون كريدت – لهذا العصر. تم تأسيسها في عام 2004 من قبل جون ماكواون، وهو مخترع أول صندوق للمؤشرات، وديفيد سولو الخبير المالي الأمريكي ذي العلاقات الجيدة، وستيفن كيلهوفر الأكاديمي العبقري السابق الذي كرس كثيرا من حياته لتشريح سوق السندات.
كانت الشركة تدير 7.5 مليار دولار عندما استحوذت عليها شركة بلاك ستون في كانون الأول (ديسمبر) 2020. ارتفعت أصولها الآن إلى أكثر من ثمانية مليارات دولار – بخلاف ما يقارب 14 مليار دولار تديرها لمصلحة شركة التأمين التابعة لشركة بلاك ستون – والمجموعة الاستثمارية لديها توقعات عالية. في الواقع، شبه ستيفن شوارزمان، مؤسس شركة بلاك ستون، شركة سي دي إي بشركاء جي إس أوه كابيتال التي اشترتها في عام 2008 وهي اليوم قلب أعمالها الائتمانية البالغة 178 مليار دولار.
يقول تيم كاستا، الذي يقود الوحدة مع دونيك، "لقد عملنا على هذا منذ عقود، لكننا نشعر حقا أن الوقت قد حان الآن للحصول على ائتمان منتظم. نحن لسنا صندوقا أسود. نعتقد أننا حللنا الشفرة المتعلقة بأسباب تغيير مخاطر عجز الشركات عن السداد، وكيفية إمالة المحافظ لالتقاط أخطاء التسعير الجذابة".
هناك أيضا عدد كبير من مديري الاستثمار المبتدئين الذين يركزون على التداول الائتماني المنتظم – مثل شركة إجيلون في سان فرانسيسكو وشركة بلو كوف، وكلاهما تم إنشاؤها في عام 2018 من قبل كميي السندات المتمرسين من بلاك روك – ومجموعة واسعة من الشركات الراسخة الضخمة التي تتعمق في هذا المجال.
لنأخذ، مثلا، صندوق إلينجتون، أحد أقدم وأكبر صناديق التحوط الائتماني المتخصصة، الذي تم إنشاؤه في عام 1994 من قبل مايكل فرانوس، متداول سندات الرهن العقاري السابق في كيدر بيبودي. قبل خمسة أعوام، بدأ بتجربة استراتيجيات ائتمانية منهجية، والآن يدير صندوق ائتمان كميا قائما بذاته.
في بعض النواحي، تتدخل استراتيجيات الائتمان المنهجية في الصدع الذي خلفته البنوك بعد الأزمة المالية، عندما تم إجبارها على إغلاق صناديق التحوط الداخلية الكبيرة الخاصة بها وزيادة عملية صنع السوق، وفقا لروبرت كيندرمان، الرئيس المشارك لاستراتيجيات الائتمان في إلينجتون. يقول، "قبل الأزمة المالية كان من الصعب التنافس مع بنك ليمان براذرز في توفير السيولة. لكن الآن لدينا دور نلعبه في النظام البيئي".
مع ذلك، التحديات هائلة. في كثير من الأحيان، حتى المحللين الكميين في السندات يحتاجون إلى التقاط هاتف للتداول، أو اكتشاف أن ما يشير إليه نموذجهم لا يمكن فعله ببساطة. يشير بعض مستثمري السندات التقليديين أيضا إلى أن الائتمان سوق غير شفافة تضم منذ فترة طويلة مهنيين ذوي توجهات رياضية ولديهم عقود من الخبرة في استغلال الحالات الشاذة، على عكس سوق الأسهم التي تدفعها الحكايات. إنهم يجادلون بأن الفرص في الائتمان ليست غنية وبسيطة كما يقول المحللون الكميون.
والأهم من ذلك كله، أن البيانات - الوقود الخام الذي يدعم جميع الاستراتيجيات الكمية - في الأغلب ما تكون بائسة. جون مكوليف، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق التحوط الكمي، فوليون، متفائل بشأن تطبيق الأساليب المنهجية في سوق سندات الشركات، لكنه يقر بأنها "بيئة معلومات مختلفة جذريا عن الأسهم".
مثلا، تتطلب معرفة سعر سهم شركة أبل البحث عن السعر الذي يرغب الناس في دفعه مقابل السهم، أو بيعه في بورصة عامة، ونقطة الوسط بين هذه الأرقام المختلفة بشكل غير محدود للغاية هي تقييم دقيق لوجهة نظر السوق. لكن مع سندات شركة أبل قد تضطر إلى طلب عروض أسعار من سلسلة من البنوك الاستثمارية، ويمكن أن تكون الاختلافات كبيرة، وحتى تلك العطاءات والعروض ليست ثابتة دائما.
علاوة على ذلك، يتم الإعلان عن البيانات الخاصة بجميع تداولات الأسهم على الفور ليراها الجميع، ولها سعر إغلاق رسمي عندما تغلق البورصة. في حين ليس لسندات الشركات سعر إغلاق رسمي، وحتى عندما يتم الإعلان عن الصفقات فإن المعلومات التي يتم الكشف عنها في الأغلب ما تكون متأخرة وضئيلة. يشير مكوليف إلى أنه "لا يوجد مصدر واضح للحقيقة في سوق السندات".

تأثير كرة الثلج
إذا نجح المحللون الكميون قد يكون التأثير في سوق ديون الشركات هائلا. يقول مسؤولون تنفيذيون في الصناعة إن صعود التجارة الإلكترونية واستراتيجيات الائتمان المنهجية بدأت الآن في تعزيز بعضها بعضا في حلقة ردود فعل إيجابية. قد تكون النتيجة النهائية سوق ديون شركات مختلفة جذريا - أسرع وأكثر شفافية وأرخص في التداول، لكنها قد تكون أكثر هشاشة وتتميز بالصخب والهياج.
يقول رامون بالجي، رئيس الدخل الثابت في شركة فلو تريدرز، "يبدو الأمر كما لو أننا نعطل سوقا كانت تهيمن عليها البنوك وأغلقت لفترة طويلة جدا. إننا نرى تأثير كرة الثلج، حيث تبدأ المنصات في الابتكار وتقدم بروتوكولات تداول جديدة، ويصبح مزيد من التداول الخوارزمي ممكنا، ويدخل لاعبون جدد هذا الفضاء ويصمم اللاعبون الأقدم خوارزمياتهم الخاصة للتداول تلقائيا".
بغض النظر عن التحديات التي لا شك فيها، فإن ما كان يوما ما تجربة متمردة إلى حد ما أصبح الآن يشبه حمى الذهب، وفقا لكيلهوفر من شركة دي سي إي. قال، "لقد كانت رحلة مثيرة للاهتمام. لقد شعرت وكأننا نستكشف قارة غير مكتشفة، وكانت آثار أقدامنا هي الأولى هناك. لكن هناك كثير من المستكشفين الآن".

الأكثر قراءة