رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


علوم وفنون السياسة النقدية

لم يسلم البنك المركزي الأوروبي من المهاجمين والمشككين الذين ذهبوا إلى القول: إن المؤسسة لا تقوم بدور كاف أو إنها كثيرا ما تكون وراء الركب بلغة السوق. ويعد كتاب السياسة النقدية في وقت الأزمات أكثر من مجرد دفاع قوي. فقد ألفه فريق من البنك المركزي الأوروبي، ويتضمن عرضا فريدا للتحليل القائم على النظريات والنماذج التي يستند إليها مجلس محافظيه في مناقشة قرارات السياسة النقدية، وينم عن درجة كبيرة من الشفافية لم تعرف عن أي بنك مركزي آخر عبر الاقتصادات المتقدمة. وسيجد فيه القارئ متعة كبيرة لدى مطالعته محتواه الثري الذي سيتعرف من خلاله على علوم وفنون صنع السياسات النقدية.
ويعرض المؤلفون تحليلا بارعا لتحديات السياسة النقدية التي واجهت هذه المؤسسة الناشئة خلال عقديها الأوليين اللذين شهدا عديدا من الأحداث والأزمات غير المعتادة، والصعوبات الناجمة عن اتحاد نقدي لا يزال في مرحلة التكوين. ويتذكر معظمنا المقولة الشهيرة للرئيس ماريو دراجي عام 2012 عندما أبدى استعداده لفعل "كل ما يتطلبه الأمر" في مواجهة التهديدات الوجودية التي شهدها اليورو، لكن قليلين يعرفون جهود البنك المركزي الأوروبي المبكرة وراء الكواليس للضغط من أجل وضع آلية الاستقرار الأوروبية التي استحدثت أداة "المعاملات النقدية المباشرة" التي كان لها دور فعال "رغم عدم استخدامها مطلقا" في حل أزمة منطقة اليورو. كذلك يرجع للبنك المركزي الأوروبي الفضل في إنشاء نظام موحد للرقابة المصرفية أسهم في الحد من التفكك وزيادة فاعلية السياسة النقدية عبر الاتحاد النقدي.
وعادة ما تثير مجموعة الأدوات التي يستخدمها البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة السالبة، وعمليات شراء الأصول، وتقديم قروض مدعومة للبنوك لاستخدامها في عمليات إعادة الإقراض، وإصدار إرشادات استشرافية حول أسعار الفائدة الأساسية - تساؤلات عن السبب وراء استخدام استراتيجيات أكثر تعقيدا مقارنة بالبنوك المركزية الأخرى. ويعرض هذا الكتاب شواهد تجريبية قوية على الدور المتكامل لهذه الأدوات في تنفيذ السياسات النقدية التيسيرية، ولا سيما دورها في احتواء الضغوط على تكلفة الاقتراض على المدى الأطول. وسيشير المهاجمون بالطبع إلى البنوك المركزية الأخرى التي تنجح في تحقيق نتائج مماثلة باستخدام مجموعة أقل من الأدوات. لكنهم يتجاهلون بذلك نقطة اختلاف مهمة، وهي أن البنك المركزي الأوروبي يعمل داخل اتحاد عملة يواجه اختلالات مالية شديدة التنوع بين الكيانات السيادية والبنوك عبر منطقة اليورو. فأسعار الفائدة المنخفضة على سبيل المثال لم يكن لينتقل تأثيرها إلى جميع دول منطقة اليورو على نحو متوازن ما لم يقدم البنك المركزي الأوروبي قروضا مدعومة للبنوك التي تعاني ضعف أوضاعها. غير أن الصعوبات المستمرة التي تواجه البنك المركزي الأوروبي في تحقيق هدف استقرار الأسعار لا تزال تمثل مصدر قلق، وتتطلب استمرار موقفه التيسيري. ويسوق الكتاب تحليلا مقنعا أيضا لهذه القضية، حيث يوضح أن استخدام مجموعة الأدوات تلك أسهم في كبح تراجع توقعات التضخم على المدى الأطول، ما يعني أن الوضع كان من الممكن أن يكون أكثر سوءا لولا استخدام هذه الأدوات.
ورغم أن التحليل الوارد بالكتاب يغطي الفترة حتى نهاية عام 2018 فقط، يسوق المؤلفون حججا قاطعة على أن أدوات السياسة النقدية التي تم استحداثها على مدار العقد الماضي كان لها دور أساسي في تمكين البنك المركزي الأوروبي من الاستجابة على نحو سريع وحاسم لجائحة كوفيد - 19. وهذا الكتاب ليس قصرا على المختصين، فقيمته التحليلية تجعل منه تجربة جذابة لجمهور واسع من القراء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي