أسواق المعادن والتأثير الاقتصادي «2 من 2»

إذا اقترن الطلب الكبير بتباطؤ التغيرات على جانب العرض، يمكن أن يكون في ذلك حافزا لتصاعد الأسعار. والواقع أنه إذا كان للتعدين أن يلبي متطلبات الاستهلاك في ظل سيناريو الحياد الذي حددته وكالة الطاقة الدولية، فإن تحليل الصندوق الصادر أخيرا يوضح أن الأسعار يمكن أن تصل إلى ذرى تاريخية لمدة غير مسبوقة وهذه التكاليف الأعلى يمكن أن تؤخر عملية تحول الطاقة ذاتها.
تحديدا ينتظر أن ترتفع أسعار الكوبالت والليثيوم والنيكل بمقدار عدة مئات في المائة مقارنة بمستويات عام 2020 وتصل إلى الذروة حول المستوى المسجل عام 2030. غير أن النحاس يشكل عنق زجاجة أقل حدة لأن زيادة الطلب عليه ليست بالدرجة نفسها. ونقدر أن تصل أسعاره إلى الذروة التي بلغها عام 2011، وإن استمر ارتفاعها لمدة أطول.
وتتسم طفرة الطلب في ظل سيناريو الحياد بالتركز في فترة البداية لأن مكونات الطاقة المتجددة؛ كتوربينات الرياح أو البطاريات، تحتاج إلى المعادن مقدما. لكن على جانب العرض، يكون الإنتاج بطيئا في الاستجابة، نظرا للفترات الطويلة التي تسبق فتح المناجم، ولا يخفف في نهاية المطاف من قلة الإمدادات في السوق إلا بعد عام 2030.
وبشأن الارتباط بالاقتصاد الكلي وأنه في ظل سيناريو المعادلة الصفرية، من شأن ازدهار الطلب على المعادن الأربعة الضرورية للتحول في نظام الطاقة أن يؤدي وحده إلى زيادة قيمة إنتاجها بمقدار ستة أضعاف لتصل إلى 12.9 تريليون دولار على مدار العقدين المقبلين. وقد يضاهي هذا على وجه التقريب القيمة المقدرة لإنتاج النفط في ظل سيناريو الانبعاثات على مدار تلك الفترة. ويمكن أن تؤثر المعادن الأربعة في الاقتصاد عن طريق التضخم والتجارة والناتج، وتحقق مكاسب كبيرة غير متوقعة لمنتجي السلع الأولية.
وتعني الإمدادات المركزة للمعادن أن بعض كبار المنتجين قد يستفيدون. وعادة ما تكون الدول الأكبر إنتاجا هي التي تمتلك أكبر الاحتياطيات، ومن المرجح أن تكون من كبار المنتجين المرتقبين. فجمهورية الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، تسهم بنحو 70 في المائة من إنتاج الكوبالت العالمي ونصف احتياطياته. ومن الأمثلة البارزة الأخرى أستراليا التي تمتلك معادن الليثيوم والكوبالت والنيكل، وتشيلي التي تمتلك النحاس والليثيوم، إلى جانب بيرو وروسيا وإندونيسيا وجنوب إفريقيا.
ويمكن أيضا أن يؤدي حدوث رواج طويل الأمد للمعادن إلى تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، خاصة لكبرى الدول المصدرة. والواقع أن تقديراتنا تشير إلى أن تحقيق ارتفاع مستمر لمدة طويلة بنسبة 10 في المائة في مؤشر الصندوق لأسعار المعادن يضيف ثلثي نقطة مئوية إضافية إلى سرعة النمو الاقتصادي في الدول المصدرة للمعادن مقارنة بالدول المستوردة لها. كذلك يمكن أن تشهد الدول المصدرة تحسنا بالحجم نفسه في أرصدة المالية العامة الحكومية بفضل رسوم الامتياز أو الإيرادات الضريبية.
وبشأن الانعكاسات على صعيد السياسات، فإنه يشكل عدم اليقين المرتفع الذي يحيط بسيناريوهات الطلب أحد المحاذير المهمة في هذا الصدد. فمن الصعب التنبؤ بالتغير التكنولوجي، كما أن سرعة واتجاه تحول الطاقة يعتمدان على تطور قرارات السياسة. ومثل هذا الغموض لا يخلو من الضرر، لأنه قد يعوق الاستثمار في التعدين ويزيد من احتمالات أن يؤدي ارتفاع أسعار المعادن إلى تعطيل التحول في نظام الطاقة أو خروجه عن المسار الصحيح.
ومن شأن تطبيق سياسة موثوقة ومنسقة عالميا، ومعايير عالية للبيئة والقطاع الاجتماعي وسوق العمل والحوكمة، ومستوى أقل من الحواجز التجارية وقيود التصدير أن يسمح للأسواق بالعمل على نحو كفء. ويؤدي هذا إلى توجه الاستثمار للتوسع الكافي في إمدادات المعادن، وتجنب ارتفاعات التكلفة غير الضرورية للتكنولوجيات، والمساعدة على التحول في اتجاه الطاقة المتجددة.
وأخيرا، فإن وجود جهة دولية تتمتع بصلاحية تشمل المعادن على غرار وكالة الطاقة الدولية بالنسبة للطاقة أو منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة يمكن أن يسهم بدور رئيس في نشر البيانات وتحليلها، وتحديد معايير الصناعة، وتعزيز التعاون العالمي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي