قراءة أمريكية خاطئة للواقع الاقتصادي

قراءة أمريكية خاطئة للواقع الاقتصادي

بالنظر إلى آفاق الاقتصاد والأسواق في الفترة التي تسبق الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، ينتابني شعور بالقلق من أن الأمر قد ينتهي بي إلى مشاهدة السيناريو نفسه يتكرر منذ ما يزيد على عقد من الزمان بقليل.
تتعرض أجندة التحول للاقتصاد الأمريكي للخطر مرة أخرى، حيث تتزايد الأسئلة الموجهة للأسواق المالية أيضا. لكن لحسن الحظ لا يزال هناك متسع من الوقت لتغيير مسار هذه القصة، إلا أن التأخير يزداد يوما بعد يوم. علاوة على ذلك، التعديلات السياسية الأهم والمطلوبة تكمن خارج السيطرة المباشرة لإدارة بايدن.
على غرار باراك أوباما في 2008، جاء الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض وبجعبته مقترحات طموحة بشأن السياسة الاقتصادية. إذا تم تنفيذها بالكامل، فإنها ستساعد على إطلاق العنان لنمو ليس مرتفعا ودائما فحسب، بل أكثر شمولا واستدامة أيضا.
لكن مثله مثل أوباما، فإن قدرة بايدن على متابعة هذه السياسات تخضع لقدرة الديمقراطيين في الحفاظ على سيطرتهم على الكونجرس. ومثل أوباما تماما، فإن احتمال تحقيق هذا الهدف المنشود في المجموعة الأولى من انتخابات التجديد النصفي في غضون عام هو احتمال يهدده سوء القراءة لعملية التعافي الاقتصادي.
لقد تم تقليص قدرة أوباما على الحفاظ على أجندته الاقتصادية، بما فيها مجموعة من الإجراءات المتعلقة بالوظائف التي من شأنها أن تعزز الإنتاجية ومشاركة القوى العاملة، بشكل حاد وقبل أوانها بسبب "صدمة" انتخابات التجديد النصفي التي أدت إلى حالة استقطاب في الكونجرس وشلله بشكل سريع.
ومن الأسس التي كانت واضحة لهذه النتيجة هي القراءة الخاطئة للوضع الاقتصادي. فقد استغرق فريق أوباما الاقتصادي وقتا طويلا حتى يدرك، بدلا من الصدمة الدورية الحادة للغاية، أن الأزمة المالية في 2008 كشفت عن نقاط ضعف بنيوية عميقة ظلت تتشكل على مدى أعوام عديدة وأنها تتطلب اهتماما مستداما بالسياسة. لقد كانت تلك لحظة طويلة الأجل بالنسبة إلى الاقتصاد وليست دورية.
مبدآن من المبادئ الثلاثة التي توجه السياسات في ذلك الوقت وهما "الوقت المناسب" و"الاستهداف"، قد تمت صياغتهما بشكل جيد وصحيح تماما. أما المبدأ الثالث المتمثل في "المؤقت"، فقد تبين أنه غير متناسب مع التركيز المطلوب على الجهود طويلة الأجل لتعزيز النمو الشامل.
فبدلا من مجرد دفعة واحدة كبيرة من السياسات لتسريع الانتعاش الدوري، كان المطلوب هو بذل جهد هيكلي مستدام لتحسين أداء أجزاء كثيرة من الاقتصاد. وفي غياب ذلك، نما الشعور بالتغريب الاقتصادي والتهميش لقطاعات معينة من السكان، ما أدى إلى تحول جزء مهم من الناخبين ضد الديمقراطيين.
لم تكمن المشكلة في مؤهلات وخبرة الفريق الاقتصادي، لكنها كانت العقليات التي أصبحت، دون وعي، رهينة المشهد الاقتصادي الذي انقلب بسبب الفترة التي سبقت الأزمة المالية وما بعدها.
وعلى هذا النحو، فقد استغرق الأمر وقتا لإدراك أنه بدلا من أن يمر الاقتصاد بانكماش وتعاف عميقين على شكل حرف V كان يواجه "وضعا طبيعيا جديدا" من النمو المنخفض للغاية وغير المتكافئ - أو ما تم وصفه لاحقا باسم "الركود طويل الأجل".
يخاطر حزب بايدن الديمقراطي باتباع المسار نفسه إذا لم يتحول المسؤولون الاقتصاديون، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على وجه الخصوص، بسرعة إلى عقلية أكثر انفتاحا حول عملية التضخم في الاقتصاد والتكيفات السياسية المطلوبة.
وكما جادلت منذ شهور، هنا وفي أماكن أخرى، الاحتياطي الفيدرالي أخطأ باستمرار وبشكل متكرر في وصف التضخم بأنه "عابر".
ولكونه أسيرا لعقلية خاطئة، فهو أيضا رهينة لـ"إطار عمل نقدي جديد" مصمم للعالم القديم الذي يعاني نقصا في الطلب الكلي لا يتناسب مع الواقع الحالي الذي يعاني اختناقات في العرض ونقصا في اليد العاملة. نتيجة لذلك خسر الاحتياطي الفيدرالي بعض النوافذ السياسية المهمة للحد من مخاطر التوقعات التضخمية غير المقيدة.
استمرار التضخم المرتفع من شأنه أن يلحق الضرر بالفقراء بشكل خاص ويقوض الانتعاش الاقتصادي، دون أيما داع. كما أنه يوجد رياحا معاكسة ضارة للتنفيذ المستمر لأجندة إدارة بايدن الاقتصادية، بينما يؤدي أيضا إلى تعقيد المرتكز العام الذي تشتد الحاجة إليه لمصلحة الاستثمارات الصديقة للمناخ.
من المأمول أن تقدم إعادة التنظيم لفريق القيادة في الاحتياطي الفيدرالي للبنك المركزي هذا الأسبوع فرصة لإعادة صياغة تقييمه العام لتحدي التضخم الذي يواجه الاقتصاد، وأيضا كي يتمحور بسرعة في خطوة أولى نحو تسريع ذي مغزى في تقليص مشترياته الضخمة من الأصول المالية.
بدون ذلك، ستواجه أمريكا خطرا جديدا يتمثل في تأخير ثان للسياسات التي تعزز الرفاهية الاقتصادية الحالية والمستقبلية.

*رئيس كلية كوينز في جامعة كامبريدج ومستشار لكل من أليانز وجراميرسي.

الأكثر قراءة