كأس مسمومة على طاولة رئيس الاحتياطي الفيدرالي

كأس مسمومة على طاولة رئيس الاحتياطي الفيدرالي

هل يمكن أن تكون هذه الكأس المسمومة الأعظم في التاريخ النقدي؟ بدا قرار جو بايدن الأسبوع الماضي منح جاي باول فترة ولاية ثانية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرارا حكيما من وجهة نظر الإدارة، لكن التحديات التي يواجها رئيس الاحتياطي الفيدرالي تقترب من عشر درجات على مقياس ريختر.
الأمر ليس ببساطة أن التضخم يرتفع بشكل سريع، حيث ارتفعت الأسعار الاستهلاكية 6.2 في المائة منذ بداية العام حتى تشرين الأول (أكتوبر)، بينما ارتفعت نفقات الاستهلاك الشخصي، وارتفع المقياس المفضل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي للتضخم 4.1 في المائة خلال الفترة نفسها، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود.
يجب على باول تأمين تطبيع السياسة النقدية ما بعد الجائحة بينما تعمل حزم التحفيز التي وضعها الرئيس جو بايدن على دعم الطلب إلى نسب مرتفعة بشدة بالنسبة إلى العرض ويعاني الاقتصاد حالة من الاختناقات.
وفقا لوزير الخزانة الأسبق، لاري سمرز، هذا "خطأ خطير في سياسة الاقتصاد الكلي". إنه ينم عن تجاوزات مالية سابقة حول حرب فيتنام والاقتصاد في عهد ريغان، وكلاهما انتهى بشكل سيئ. واليوم، أرقام العجز المطلقة أكبر بكثير، وكذلك مستوى الدين.
يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن الدين الفيدرالي الذي يملكه الجمهور سيرتفع من 103 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2021 إلى 106 في المائة في 2031. هذا مقارنة بأقل من 40 في المائة في وقت الأزمة المالية.
بالتالي سيكون من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة استجابة لضغوط التضخم دون التسبب في انهيار الأسواق وتعجيل الركود. وقد يولد التشديد النقدي دورة دائمة من عدم الاستقرار المالي، يتبعها مزيد من التسهيل الكمي لدعم الأسواق ودعم الاقتصاد.
هنا يظهر سؤالان. هل التطبيع مجرد وهم؟ وهل يمكن أن يستمر دور الدولار عملة احتياطية بارزة في العالم على خلفية عدم الاستقرار النقدي والتجاوز المالي بينما تستمر الولايات المتحدة في تمثيل حصة متناقصة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؟
يتعلق السبب المباشر للطفرة التضخمية بالعرض. وهذا يسلط الضوء على عدم تناسق غريب في علاقات محافظي البنوك المركزية مع جانب العرض.
من جانبه، كان أندرو بيلي محافظ بنك إنجلترا، محقا في قوله إن السياسة النقدية لا يمكنها توفير مزيد من الغاز ومزيد من رقائق الكمبيوتر ومزيد من سائقي الشاحنات. من ناحية أخرى، تتمتع السياسة النقدية المتساهلة للغاية بالقدرة على إيجاد فقاعات تسبب سوء تسعير المخاطر وسوء تخصيص رأس المال. هذا يحد من نمو الإنتاجية، ما يجعل مهمة تخفيض الديون أكثر صعوبة.
عندما بلغ الدين الأمريكي 106 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 1946، انخفض بسبب مزيج من النمو والتضخم. اليوم من الواضح أن معدل نمو الاتجاه الأساس للاقتصاد الأمريكي يسير عند مستويات ضعيفة، أقل بكثير من تلك التي كانت في فترة ما بعد الحرب مباشرة. وهذا يثير احتمال أن يجبر التضخم على بذل مزيد من جهود تخفيض الديون هذه المرة، وهو نوع غريب من التطبيع.
الطريقة التي سيحدث بها التضخم المطلوب ستكون من خلال ما يسميه الاقتصاديون تأثيرات الجولة الثانية، وعلى الأخص في تشديد أسواق العمل. هذا واضح بالفعل وسيتفاقم بسبب الوضع الديموغرافي حيث تبدأ القوى العاملة في جميع أنحاء العالم في الانكماش وبالتالي تستعيد القدرة على المساومة.
احتمال أن لا يكون التضخم مؤقتا وأن ينتج عنه دخل حقيقي سلبي بعد التضخم لم يؤد إلى اضطراب سندات الخزانة الأمريكية. لذا من الواضح أن أزمة الديون ماضية في طريقها إلى الأمام. وكذلك الأمر أيضا مع أي تراجع محتمل في دور العملة الاحتياطية للدولار.
مع فائض المدخرات العالمية، هناك طلب نهم على ما يسمى الأصول الآمنة في شكل المطلوبات الهائلة المعلقة التي يتم إنشاؤها حاليا من قبل الولايات المتحدة. لذا فإن 60 في المائة من احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي لا تزال في أصول دولارية، تليها منطقة اليورو 20 في المائة فقط.
وكما تشير ورقة بحثية جديدة أعدها إيثان إيلزيتسكي وكارمن راينهارت وكينيث روجوف، فإن التغييرات في العملة العالمية المهيمنة نادرة. وعندما تحدث عادة ما يكون هناك فترة انتقالية طويلة. منذ القرن الـ16 الميلادي، فقط إسبانيا وهولندا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة شهدت وصلت عملاتها إلى مكانة مهيمنة.
مع ذلك، لاحظ المؤلفون أن الطلب على الأصول الآمنة المقومة بالدولار قد تضاعف، لكن القاعدة الضريبية التي تدعم تلك الأصول تضاءلت. ويقولون إن الطلب على الأصول الآمنة يخاطر في النهاية بحمل القدرة المالية للحكومة الأمريكية على دعمها، مضيفين أنه لا يوجد ضمان لاستمرار الطلب النهم على مثل هذه الأصول.
والسؤال الدائم في هذا النقاش هو، ما بدائل الدولار؟ مع تهيؤ الصين لتجاوز الاقتصاد الأمريكي، من الواضح أن الرنمينبي، الذي لا يملك سوى 2 في المائة من الاحتياطيات العالمية، هو المنافس. لكن كثيرين يتساءلون عما إذا كانت الدولة الشمولية ذات المؤسسات الضعيفة وحقوق الملكية الهشة وطريقة التدخل في الأسواق يمكن أن تؤدي المهمة.
من الناحية العملية، يأتي التحدي الأكبر لباول هنا إذا نجحت الصين في الانتقال إلى اقتصاد يحركه المستهلك بشكل أكبر، ما يؤدي إلى انخفاض معدلات المدخرات العالمية وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية. وهذا سبب آخر يجعل الأسواق تستيقظ وتدرك أن سندات دين الحكومة الأمريكية هي أصول غير آمنة للغاية.

الأكثر قراءة