نظام العدالة الموازية في أمريكا وصفة صريحة للظلم

نظام العدالة الموازية في أمريكا وصفة صريحة للظلم

يشتهر المجتمع الأمريكي بميلة إلى الاشتراك في الدعاوى القضائية، ومع ذلك انتشرت ظاهرة عبر الاقتصاد في العقود الأخيرة أدت إلى تخلي ملايين الأشخاص عن حقهم بدلا من قضاء يومهم في المحكمة.
تقوم الشركات الأمريكية بإدخال شروط التحكيم الإلزامية المكتوبة بأحرف صغيرة في العقود الخاصة بكل شيء، من الوظائف إلى بطاقات الائتمان ودور رعاية المسنين. تنص هذه الشروط على أن أي نزاع مع الشركة سيتم حله عن طريق التحكيم بدلا من المحاكم، وهو نظام أبسط وذو طابع رسمي أقل يستمع فيه المحكم للطرفين ويتخذ قرارا. وعادة ما تختار الشركة جهة التحكيم، وتكون الإجراءات خلف أبواب مغلقة وهناك فرصة ضئيلة للاستئناف.
نظام العدالة الموازي هذا منتشر بشكل واسع الآن. في مجال التمويل الاستهلاكي، وجدت دراسة أجراها مكتب حماية المستهلك في 2015 أن 16 في المائة من مصدري بطاقات الائتمان استخدموا شروط التحكيم "تغطي 53 في المائة من قروض بطاقات الائتمان المستحقة" إلى جانب 84 في المائة من مقرضي يوم الدفع "تغطي 99 في المائة من واجهات المحال".
في سوق العمل، تغطي بنود التحكيم الإلزامية الآن نحو 55 في المائة من العاملين في القطاع الخاص غير النقابيين، أي ضعف النسبة في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، وفقا لدراسة أجراها ألكسندر كولفين، الأكاديمي في جامعة كورنلي في 2018. يقول كولفين إن هذا يعني أن نحو 60 مليون عامل لم يعد بإمكانهم الذهاب إلى المحكمة للطعن في انتهاكات الحقوق مثل الحد الأدنى للأجور أو الحماية من التمييز أو التحرش. تعد البنود أكثر شيوعا في أماكن العمل ذات الأجور المنخفضة، وفي الأغلب ما تأتي مع تنازلات عن الدعاوى القضائية الجماعية أيضا.
يمكن أن يكون للتحكيم فوائد للأفراد. في الأغلب ما يكون أسرع وأرخص من الذهاب إلى المحكمة. تتقاضى رابطة التحكيم الأمريكية، وهي واحدة من أكبر مزودي خدمات التحكيم، رسوما للإيداع تبلغ 300 دولار عن الموظف لنزاع محكم واحد، مثلا، بينما يتعين على صاحب العمل دفع 1900 دولار و750 دولارا رسوم إدارة القضية. كبار المزودين لديهم قواعد يقولون إنها تضمن أن العملية عادلة. يجادل المؤيدون بأن البديل سيكون الإجراءات القانونية المطولة التي من شأنها أن تفيد المحامين أكثر بكثير من الأمريكيين العاديين.
لكن هناك أسبابا للقلق رغم ذلك. ليست كل عملية تحكيم عادلة للفرد. في قضية تتعلق بشركة أمريكية في مكان آخر في أمريكا الشمالية، أراد ديفيد هيلر، وهو سائق يعمل مع شركة أوبر في تورنتو، مقاضاة الشركة بشأن حقوق العمال. قيل له إن عقده يحتوي على بند يعني أن عليه حل النزاع من خلال التحكيم في هولندا، الأمر الذي يتطلب رسوما إدارية ورسوم إيداع مقدما تبلغ 14500 دولار. خلصت المحاكم الكندية في النهاية إلى أن البند "غير مقبول"، على أساس عدم المساواة في قوة المفاوضة بين الطرفين وتكلفة التحكيم.
يشير بعض الدراسات إلى أن احتمال فوز الأفراد في التحكيم أقل من احتمال فوزهم في المحكمة، وأن التعويضات التي يحصلون عليها أقل. يمكن أن يؤدي إبعاد النزاعات عن المحكمة أيضا إلى كبح جماح القضايا النظامية التي تحتاج إلى تغيير في شركة معينة.
تتزايد مقاومة التحكيم الإلزامي في الولايات المتحدة. مشروع قانون تم تقديمه إلى الكونجرس سيحظر الشروط في قضايا التوظيف والمستهلك والحقوق المدنية، في حين أن بعض الشركات مثل "جوجل" أسقطتها بالفعل بعد احتجاجات من جانب الموظفين.
في الوقت نفسه وجد محامو المدعين طريقة لقلب الطاولة. أنهم يرفعون مئات، أو حتى الآلاف من دعاوى التحكيم الفردية إلى صاحب عمل واحد في وقت واحد، الأمر الذي يدفع الشركات لتحمل فواتير باهظة على شكل رسوم مقدمة. انتهى المطاف بـ"دور داش"، شركة الاقتصاد المرن، في المحكمة في محاولة للخروج من اتفاقية تحكيم خاصة بها العام الماضي بعد أن رفع أكثر من خمسة آلاف ساعة دعاوى لم يوليها القاضي سوى قليل من الاهتمام.
أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" هذا العام أنه بعد أن واجهت أمازون أكثر من 75 ألف طلب تحكيم فردي نيابة عن مستخدمي "إيكو"، غيرت الشركة شروط الخدمة للسماح للعملاء برفع دعاوى قضائية.
من الممكن أن يكون لديك نظام يتجنب الدعوى القضائية غير الضرورية دون إلغائه تماما. في المملكة المتحدة، مثلا، الأشخاص الذين يرغبون في إحالة أصحاب عملهم إلى المحكمة تعرض عليهم عملية مصالحة مجانا من قبل هيئة حكومية تسمى خدمة الاستشارات والتوفيق والتحكيم. إذا لم تتمكن الأطراف من الاتفاق، فلا يزال بإمكانهم المثول أمام المحكمة. إنها تعمل بشكل جيد، فقط نحو ربع النزاعات التي تمت معالجتها بوساطة الهيئة أدت إلى دعوى قضائية. في الوقت نفسه، أفاد 82 في المائة من أصحاب الشكاوى و80 في المائة من ممثلي أصحاب العمل بأنهم راضون عن الخدمة.
الدولة التي يكون فيها الرد الأول على أي نزاع هو "سأراك في المحكمة" ليست جيدة. لكن عندما يقول أحدهم "لا، أستطيع رؤيتك في المحكمة لأنني اضطررت للتنازل عن حقوقي بدلا عن ذلك" هي بالتأكيد أسوأ.

الأكثر قراءة