الشعور بالذنب يغير المصرفيين إلى الأفضل
هل ينبغي لخبراء المال أن يشعروا بالذنب؟ إذا فعلوا، هل سيجعل ذلك عالم المال أكثر أمانا؟ في الأعوام التي تلت الأزمة المالية في 2008، تم طرح هذه الأسئلة مع شعور بالغضب بين السياسيين والمحللين الإعلاميين والمواطنين العاديين. الآن يعكف بنك الاحتياطي الفيدرالي القوي في نيويورك على استكشاف هذه القضية بطريقة أكثر مباشرة - وابتكار، أيضا.
في الأسبوع الماضي أصدر سلسلة من التدوينات الصوتية وجبلا من الوثائق البحثية، التي تعتمد على عمل علماء نفس وعلماء أعصاب وعلماء اجتماع لفحص "الأعراف والعقليات التي تسهم في طيف صنع القرار، من الأخلاقي إلى غير الأخلاقي". تضمن هذا نقاشا بشأن القوة التنبؤية "للذنب" بين خبراء المال، بالاعتماد على عمل تايا كوهين، وهي أستاذة في جامعة كارنيجي ميلون، التي تجادل بأن "الأفراد الذين لديهم نزعة عالية للشعور بالذنب" قد يملكون "ميزة أخلاقية" في أماكن العمل وأن على البنوك محاولة توظيفهم.
بشكل منفصل، يفحص مارك مورتنسن، وهو أستاذ في جامعة إنسياد، سبب عدم قدرة القواعد الرسمية على منع السلوك السيئ في ثقافة منصة زووم. ويشرح ديفيد جروس، وهو رئيس المخاطر والثقافة في بنك إتش إس بي سي، ما تظهره ديناميكيات المجموعة عن قاعات التداول، بينما يكشف مسؤولو الامتثال في مجموعات مثل نات ويست كيفية استخدامهم لعلم النفس لتتبع المخاطر. (الإفصاح الكامل، وأعلق أيضا بإيجاز على أنثروبولوجيا التمويل). الهدف، كما يقول جون ويليامز رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، هو فهم أهمية الثقافة في تشكيل القرارات على "مستوى الفرد وعلى مستوى المؤسسة".
لن يبدو أي من هذا مفاجئا بشكل خاص لعلماء النفس الأكاديميين وأساتذة كليات الأعمال، لأنه منتشر في القطاع الخاص منذ أعوام. لكنه أمر يحدث لأول مرة بالنسبة إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي. في النهاية، في أواخر القرن الـ20 والأعوام الأولى للقرن الـ21، سيطرت النماذج الكمية على عالم الاقتصاد الكلي وصنع السياسات المالية، وتم التقليل إلى حد كبير من أهمية الدراسات النوعية، إن لم يتم الاستهزاء بها.
تغير هذا إلى حد ما بعد الانهيار، عندما أصبح التمويل السلوكي أكثر شيوعا. في 2011، أوقفني ألان جرينسبان، الرئيس الأسبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي كان يوما ما معجبا كبيرا بالنماذج الاقتصادية، في مؤتمر في أسبن وطلب توصيات حول الكتب التمهيدية في الأنثروبولوجيا، موضحا أنه أدرك (متأخرا) أن الثقافة مهمة في عالم الأسواق.
انطلق اهتمام جرينسبان الجديد من الفضول تجاه الثقافات الأخرى، لكن ليس ثقافته (في ذلك الوقت كان محتارا بشأن سبب موقف اليونانيين تجاه الديون الذي بدا غريبا بالنسبة له خلال أزمة منطقة اليورو). بالفعل، من الناحية العملية، حتى بعد الانهيار، كان هناك جهد ضئيل في البداية من قبل المنظمين الماليين لاتخاذ موقف أكثر منهجية تجاه هذه القضية.
لكن هذا يتغير. علاوة على ذلك، هذا لا يحدث فقط في بنك الاحتياطي الفيدرالي. لقد كانت لندن في الواقع متقدمة جدا على نيويورك في هذا الصدد، حيث ركز مجلس المعايير المصرفية بشكل مكثف على هذه القضية لدرجة أنه غير تسمية نفسه أخيرا إلى مجلس ثقافة الخدمات المالية.
هذا التحول التحليلي يسلط الضوء على ثلاث نقاط بارزة. أولا، والأكثر وضوحا، ينبغي أن يذكرنا جميعا أنه لا يوجد شيء مثل حرق أصابعك لتعليمك القليل من الفطرة السليمة. في العالم المثالي، كان ينبغي لبنك الاحتياطي الفيدرالي أن يشرع في كل هذا العصف الذهني قبل فترة طويلة من 2008. لكن، في العالم الحقيقي شعر البنك بثقة كبيرة قبل الأزمة لدرجة أنه شعر بعدم الحاجة للقيام بذلك. ينبغي أن يلقي هذا بتحد على المنظمين الآخرين لتوسيع عدساتهم قبل - وليس بعد - الأزمة. في النهاية، قد يكون القليل من التحليل الثقافي مفيدا عند النظر لقطاعات مثل التكنولوجيا أو الغذاء أو الطاقة أو الطب أو علم المناخ.
ثانيا، من الأسباب التي تجعل بنك الاحتياطي الفيدرالي ينظر - متأخرا - أكثر إلى الثقافة الآن هو أن ظهور الرقمنة جعل المسؤولين حريصين بشكل مضاعف على تجنب تكرار ما حدث في 2008. اندفاعنا إلى الفضاء الإلكتروني أثناء الإغلاقات خلال الجائحة عجل بالتحولات الهيكلية الرئيسة على نطاق يمكن القول إننا لم نشهده منذ موجة الابتكارات المالية التي حصلت قبل عقدين من الزمن. هذا بدوره يثير الجدل حول أسئلة جديدة، هل يزيد العمل من المنزل من مخاطر الاحتيال؟ وهل تؤدي تطبيقات التداول إلى تفاقم حالة الذعر في السوق؟ وكيف ينبغي أن يتغير الامتثال مع العمل الهجين؟
ثالثا، تثير الرقمنة تحديات جديدة للمنظمين، ولكن أيضا ـ مما يدعو للسخرية ـ أنها تجعل من السهل تبادل الأفكار حول كيفية التعامل مع قضية "الثقافة". قبل عامين، عندما أراد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي التحدث إلى نظرائهم في جميع أنحاء العالم حول القضايا الثقافية، كانوا يميلون إلى القيام بذلك من خلال تنظيم المؤتمرات. كان هذا الأمر شاقا عليهم واجتذب فقط مجموعة صغيرة من المشاركين. لكن بإمكانهم الآن اللجوء إلى تطبيق زووم وهذا يجعل من السهل اجتذاب المشاركين من رقعة جغرافية أوسع بكثير واجتذاب مزيد من التخصصات أيضا. وبذلك باتت التبادلات الفكرية أسرع من ذي قبل.
هل سيؤدي هذا إلى أن يصبح المنظمون وخبراء المال أكثر حكمة في المستقبل مما كانوا عليه في الماضي؟ بكل صدق، لن نعرف الإجابة حتى يأتي انهيار السوق التالي. لكني آمل ذلك. في هذه الأثناء، يجب أن نأخذ في الحسبان أن هذه التجارب هي تذكير آخر بالطرق غير المتوقعة التي تسبب بها كوفيد -19 في الإحساس بالتدفق الثقافي والفكري - حتى بين المنظمين المتثاقلين. بعبارة أخرى، دعونا نهتف ثلاثا للاهتمام الجديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي بعلم النفس المتعلق بالشعور بالذنب. ودعونا نأمل أن يتبناه المصرفيون بدورهم.