أزمة التكرار الخفية للتمويل

أزمة التكرار الخفية للتمويل

قد يبدو الأمر كأنه عملية سرقة منخفضة الميزانية لفيلم بليد رنر، لكن على مدار العقد الماضي سيطرت على العالم العلمي "أزمة تكرار" - لا يمكن تكرار نتائج عديد من الدراسات الأصيلة، بتداعيات هائلة. هل يعاني الاستثمار شيئا مشابها؟
هذه هي الحجة اللاذعة لكامبل هارفي، أستاذ العلوم المالية في جامعة ديوك. فهو يعتقد أن ما لا يقل عن نصف الـ400 استراتيجية التي يفترض أنها تتغلب على متوسط عوائد السوق التي تم تحديدها في المجلات المالية الكبرى على مر الأعوام مزيفة. والأسوأ من ذلك، أنه يخشى أن عديدا من زملائه الأكاديميين في حالة إنكار لهذا الأمر.
ويقول، "إنها مشكلة ضخمة". إن الخطوة الأولى في التعامل مع أزمة التكرار في التمويل هي قبول أن هناك أزمة. وفي الوقت الراهن، لم يصل عديد من زملائي إلى هذه المرحلة بعد".
إن هارفي ليس دخيلا غامضا أو مناقضا أدائيا يحاول جذب الانتباه من خلال الجدل الذي لا داعي له. إنه المحرر السابق لمجلة "جورنال أوف فاينانس"، ورئيس سابق لجمعية التمويل الأمريكية، ومستشار لشركات استثمارية مثل ريشيرتش أفلييتس ومان جروب.
لقد كتب أكثر من 150 بحثا عن التمويل، وفاز عديد منها بجوائز مرموقة. في الواقع، أظهرت أطروحة الدكتوراه لهارفي 1986 لأول مرة كيف يمكن لمنحنيات سوق السندات أن تتنبأ بحدوث ركود. بمعنى آخر، هذا ليس مثل قول طفل إن الإمبراطور ليس لديه ملابس. إن انتقادات هارفي المتصاعدة لصرامة الأوساط الأكاديمية المالية منذ 2015 أقرب إلى إعلان الإمبراطور بأسف عن عريه.
ولفهم ماهية "أزمة التكرار"، وكيف حدثت وآثارها في عالم التمويل، من المفيد البدء من نشأتها الأوسع.
في 2005، نشر أستاذ الطب في جامعة ستانفورد، جون إيوانيديس، مقالا رائعا بعنوان "لماذا تكون معظم نتائج الأبحاث المنشورة خاطئة"، الذي أشار إلى أن نتائج عديد من الأبحاث الطبية لا يمكن تكرارها من قبل الباحثين الآخرين. لاحقا، وجهت عديد من المجالات الأخرى أعينها القاسية لبعضها بعضا وتوصلت إلى استنتاجات مشابهة. إن جوهر القضية هو ظاهرة يسميها الباحثون "تسخير البيانات". (وهو الاستخدام الخاطئ للبيانات التحليلية لإيجاد أنماط يمكن تقديمها على أنها ذات دلالة إحصائية، كنتيجة، يؤدي هذا إلى تحيز في الاستنتاجات).
في الإحصاء، القيمة الاحتمالية هي احتمال ما إذا كان الاكتشاف ناتجا عن المصادفة البحتة - غرابة البيانات البسيطة مثل ارتباط أفلام نيكولاس كيج بحالات الغرق في أحواض السباحة الأمريكية - أو ما إذا كانت "ذات دلالة إحصائية". وتشير الدرجات P إلى ما إذا كان دواء معين مفيدا حقا، أو إذا كان أداء الأسهم الرخيصة يتفوق مع مرور الوقت.
إن عملية تسخير البيانات تكون عندما يقوم الباحثون بتحريف البيانات بشكل علني أو لا شعوري لإيجاد علاقة مقنعة ظاهريا، لكنها زائفة في النهاية بين المتغيرات. ويمكن القيام بذلك عن طريق انتقاء المقاييس المراد قياسها أو تغيير الفترة الزمنية المستخدمة بمهارة. فقط لأن شيئا ما ذا دلالة إحصائية ضيقة، لا يعني أنه ذو مغزى في الواقع. إن استراتيجية التداول التي تبدو ذهبية على الورق قد لا تنتج شيئا سوى كتل من الفحم عند تنفيذها فعليا.
يعزو هارفي آفة تسخير البيانات إلى الحوافز في الأوساط الأكاديمية. إن الحصول على ورقة بحثية ذات اكتشاف مثير تم نشره في مجلة مرموقة يمكن أن يكسب أستاذا شابا طموحا الجائزة النهائية - السيطرة. وإن إضاعة شهور من العمل على نظرية لا تصمد أمام التدقيق من شأنه أن يحبط أي شخص. لذلك من المغري تحريف البيانات حتى تسفر عن شيء مثير للاهتمام، حتى لو لم يتمكن الباحثون الآخرون لاحقا من تكرار النتائج.
من الواضح أن مخاطر أزمة التكرار أكبر بكثير في الطب، حيث يمكن أن تلعب الأرواح دورا. لكن هارفي يجادل بأنه ليس شيئا يظل محصورا في الأبراج العاجية لكليات إدارة الأعمال، حيث في الأغلب ما تشتم مجموعات الاستثمار فرصة لبيع المنتجات بناء على عوامل يبدو أنها تضرب السوق. ويقول، "إنها تتسرب إلى العالم الحقيقي. إنها بالتأكيد تدخل في محافظ الأشخاص."
تتشكك إيه كيو آر، وهي مجموعة استثمار كمي بارزة، أيضا في وجود المئات من العوامل الدائمة والناجحة التي يمكن أن تساعد المستثمرين على التغلب على الأسواق، لكنها تجادل بأن صخب "أزمة التكرار" مبالغ فيه. ففي وقت سابق من هذا العام، نشرت ورقة بحثية خلصت إلى أنه لا يمكن فقط تكرار أغلبية الدراسات التي فحصتها، بل إنها لا تزال تعمل "خارج ضوابط العينة" - في التداول الفعلي - وتم دعمها بالفعل من خلال البيانات الدولية.
إن هارفي غير مقتنع بالرد اللاذع، وسيسوي الخلاف مع مؤلفي ورقة إيه كيو آر البحثية في الاجتماع السنوي لجمعية التمويل الأمريكية في أوائل كانون الثاني (يناير). إنه يعد بذلك، "ستكون مناقشة ممتعة للغاية".
سيتحمس كثير من الأعضاء المهووسين بالصناعة لاحتمال حدوث مواجهة قوية، إذا كانت عقلانية، لبدء 2022.

الأكثر قراءة