رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التحديات الجيوسياسية ومستقبل الانبعاثات

يشكل التغير المناخي تهديدا حقيقيا يتعاظم بمرور الوقت، ويمثل الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية عالميا عنصرا مهما للتصدي لهذا الخطر، ولكن توجد عقبة سياسية واقتصادية أساسية أمام تحقيق هذا العنصر بحلول منتصف القرن. بالنسبة إلى العالم النامي والأسواق الناشئة - خاصة الصين والهند وروسيا - يتعين النظر في الاعتماد العالي على الهيدروكربونات، فوفقا للتقرير الصادر عن شركة بريتش بتروليوم لاستعراض إحصائيات الطاقة في العالم لعام 2021، فإن إجمالي استهلاك الطاقة المعتمدة على الهيدروكربونات يبلغ 85.2 في المائة في الصين، و89.7 في المائة في الهند، و87 في المائة في روسيا. وعلى الصعيد العالمي يعتمد 88 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة على النفط والغاز الطبيعي والفحم. وبذلك فإن حجم التغيير الذي يتطلبه التحول في مجال الطاقة للوصول إلى صافي انبعاثات كربون صفرية هائل، إذا كان القصد منه هو التركيز على التحول إلى الطاقة المتجددة فقط.
لذلك يمثل الابتعاد عن الهيدروكربونات تكلفة مالية هائلة قصيرة الأجل ويترتب عليه أيضا تداعيات سياسية. وبالنسبة إلى العالم النامي، فإن الحاجة إلى التوسع الاقتصادي المستدام توجد قيودا كبيرة على كيفية استخدام الموارد، كما أن الهشاشة الاقتصادية أثناء فترة التعافي من فيروس كورونا المستجد "كوفيد – 19" تضاعف هذه المعضلة. فإن الإحجام عن استعمال الهيدروكربونات لا يقتصر على إضافة منشآت جديدة للطاقة المتجددة (التي أصبحت قادرة على المنافسة من حيث التكلفة)، بل الاستعاضة المكلفة عن طرق توليد الطاقة الحالية وأساطيل المركبات على نطاق واسع. وهذا التحدي يحد من استعداد الدول للالتزام بأهداف صافي الانبعاثات الصفرية المعتمدة على خطة واضحة المعالم وذات مصداقية لتحقيق مثل هذه الأهداف، إذ إن العائد السياسي للاستثمار الفوري لن يتحقق لعقود من الزمن.
قامت دراسة حديثة من مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك" بمحاكاة الضغوط الجيوسياسية (الضمنية والصريحة) حول أهداف صافي الانبعاثات الصفرية باستخدام مجموعة أدوات كابسارك للتحليل السلوكي (KTAB) لتوقع التوجهات المستقبلية للالتزامات الدولية. تشمل العلاقات بين الدول حول تغير المناخ حوارات صريحة تدار في الفعاليات (مثل مؤتمر المناخ "COP 26" في جلاسكو) وضغوط ضمنية قائمة على الالتزامات الوطنية والإشارات الدبلوماسية. تركز المحاكاة على التوجهات العالمية بين الدول المؤثرة في التوصل إلى توافق عالمي في الآراء حول تغير المناخ. تقدم نتائج هذا التحليل صورة متفائلة من ناحية عملية تؤدي إلى تحول جماعي نحو مزيد من الدعم الملموس لمستقبل خال من الانبعاثات.
قبل انعقاد مؤتمر المناخ "COP 26" كان هناك زخم متزايد للإدلاء بالتصريحات الوطنية الداعمة لأهداف الحياد الصفري المناخية، ومع ذلك فإن نطاق التأييد العالمي حول أهداف صافي الانبعاثات الصفرية يعكس افتقارا واضحا إلى توافق الآراء. وقد تعهد الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واقتصادات أوروبا الغربية بأكثر الالتزامات الملموسة والشاملة لصافي الانبعاثات الصفرية. ومع ذلك - حتى بين هذه الدول - فإن التكلفة والتحدي السياسي لتحقيق أهداف طموحة قد أبقيا قيودا على نطاق الالتزام ومدى تماسكه. فتراوح خطط أكثر الطموحات الأوروبية الواعدة ما بين "المقبولة والمتوسطة" في تقديرات مجموعة تعقب العمل المناخي. وعند مقارنة هذه الالتزامات بالتقييمات التي يجريها برنامج رصد المناخ التابع لمعهد الموارد العالمية، فإنها لا تصل إلى المستوى "المؤكد" لتحقيق أهدافها المعلنة. ففي الاتحاد الأوروبي - على سبيل المثال - يعتمد الاقتصاد البولندي اعتمادا كبيرا على احتياطياته المحلية من الفحم، واستعداده للتخلي عن المكاسب الاقتصادية الناجمة عن هذه الثروة من الموارد الطبيعية يجعل التزاماته محدودة.
وقد أعلنت الولايات المتحدة التزامها بتحقيق هدف صافي الانبعاثات الصفرية لعام 2050 تحت إدارة الرئيس بايدن، لكن لا تزال الخطة لتحقيق هذا الهدف غير واضحة دون دعم من الكونجرس. كما عبرت الصين عن التزامها بتحقيق هدف صافي الانبعاثات الصفرية لعام 2060، وإن كان ذلك بموازنة عملية بين نطاق التزامها وتفاصيله. فيما أعلنت روسيا استراتيجية صافي الانبعاثات الصفرية لعام 2060، ولكنها ستوازن بعناية بين الأولويات الاقتصادية والمناخية لوضع الصيغة النهائية لخطة يمكن تنفيذها. وليس للهند حاليا هدف معلن لصافي الانبعاثات الصفرية، وإن كانت تنظر في إمكانية الالتزام مع إدراك التكاليف الاقتصادية الكبيرة للتحول عن الهيدروكربونات. أما السعودية فقد أعلنت التزامها بصافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2060. وأغلب دول العالم النامي تتبع نهجا أكثر حذرا إزاء صافي الانبعاثات الصفرية، ما يشير إلى النظر في هدف ما.
تحد التزامات صافي الانبعاثات الصفرية من حقيقة كيفية تحقيق الأهداف الطموحة للمناخ، فمن المرجح أن الهيدروكربونات ستؤدي دورا في المستقبل القريب. وينبغي أن يشتمل النهج العملي في التعامل مع صافي الانبعاثات الصفرية على إدارة الكربون والانبعاثات المرتبطة به، على غرار نهج الاقتصاد الدائري للكربون الذي يشتمل على الحد من الانبعاثات وإعادة استخدامها وإعادة تدويرها وإزالتها من خلال تأكيد الحوافز والفوائد الاقتصادية المرتبطة بإدارة الكربون، لتعظيم فعالية التكاليف في جهود التخفيف من الانبعاثات. ويجب أن تكون هذه الناحية العملية مرنة فيما يتعلق بالموارد الطبيعية لكل بلد وحالته الإنمائية، وتشمل خيار استبدال بعض الهيدروكربونات بمصادر طاقة لا تتسبب في الانبعاثات، وموازنة كبيرة مع حلول قائمة على التكنولوجيا والطبيعة، واستراتيجيات تشمل احتجاز الانبعاثات واستخدامها إلى جانب الانبعاثات السلبية.
ولجعل مسار الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية العالمية يمكن تحقيقه، من الضروري إجراء إعادة توزيع عادلة لأعباء وفوائد الانتقال العالمي للطاقة. وتشكل الصين مصدر دعم سياسي مهما لتأمين الدعم من العالم النامي، فإن دعوتها إلى مناقشة صافي الانبعاثات الصفرية تشكل رمزا مهما نظرا لحاجتها الخاصة إلى الموازنة بين النمو الاقتصادي والتكيف الجذري مع النهج الذي تتبعه في التعامل مع انبعاث الغازات الدفيئة.
واستنادا إلى تحليلنا للمحاكاة، يتوقع من الصين أن تبني الدعم لنهج متوازن وعملي إزاء أهداف صافي الانبعاثات الصفرية بين بلدان العالم النامي مع الحد الأدنى من الالتزام، والدعم المتزايد لاعتماد أهداف صافي الانبعاثات الصفرية في منتصف القرن. ومن المتوقع أن ترى الولايات المتحدة والدول المتقدمة غير الأوروبية قيمة المواءمة مع هذا النهج. وبعيدا عن مؤتمر المناخ، من المتوقع أن تلتزم كوريا الجنوبية واليابان بأهدافهما وخططهما الحالية نحو الحياد الصفري. وبشكل ملحوظ يتوقع أن تثبت المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وألمانيا على تحقيق أهداف الحياد الصفري لعام 2050 والخطط المرتبطة بها.
خلال مبادرة السعودية الخضراء التي أقيمت في الرياض، أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن المملكة تهدف إلى الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2060 باستخدام مجموعة من المبادرات في نهج الاقتصاد الدائري للكربون. كما أوضح وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان تفاصيل الالتزام السعودي المعلن لتحقيق هدف الوصول إلى مستوى الحياد الصفري.
وكان هذا الإعلان إشارة مهمة من السعودية إلى مناقشة صافي الانبعاثات الصفرية، وقد كان له تأثير كبير عند إدراجه في نموذج المحاكاة السياسية المستخدم في دراسة كابسارك المذكورة أعلاه. ومع مرور الوقت نتوقع تعزيز الطموحات المعلنة الحالية للمملكة، مع تجسيد التزامها المعلن في وثائق السياسة العامة، وتقديم صياغة أكثر تحديدا للكيفية التي ستحقق بها مبادرات الاقتصاد الدائري للكربون طموحاتها.
ومن المتوقع أن تواصل الصين تعزيز مدى تماسك التزاماتها ونطاقها، وأن يقف أغلب العالم النامي وراء النهج الصيني. وبمرور الوقت - حين تستمر بلدان الاتحاد الأوروبي في التقدم نحو تحقيق أهدافها الطموحة في مجال المناخ - فإن التأثير السياسي الصيني سيكون المحرك الرئيس لالتزامات إضافية من قبل بقية العالم لتحقيق صافي انبعاثات الكربون الصفرية. وتسهم خطط السعودية ودعمها الكبير في تعزيز نطاق الالتزامات العملية المتوقعة في الحوار الجيوسياسي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي