الخوف من ضياع الفرص يغذي الأسواق الصاعدة
الخوف من ضياع الفرص استحوذ على الأسواق العالمية، ودفع كل شيء، من الأسهم إلى العملات المشفرة، إلى ارتفاعات قياسية، وأجبر حتى الشركات القوية على التراجع.
تقع الأسهم الأمريكية في بؤرة الاندفاع العالمي نحو الأسهم التي ضاعفت تقريبا حصة مؤشر "إم إس سي آي" لعموم العالم منذ أسوأ حالاتها خلال بداية تفشي فيروس كورونا في آذار (مارس) 2020، وهي واحدة من أقوى عمليات تداول الأسهم العالمية في التاريخ.
اختتم مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في وول ستريت الأسبوع الماضي أطول سلسلة من تسجيل المستويات القياسية منذ 1964 قبل أن يتراجع قليلا، وفقا لبنك أوف أمريكا. في الوقت نفسه، ارتفعت الأصول الرقمية عالية المضاربة مثل بيتكوين وإيثيريم و"عملات النكتة" مثل عملة شيبا إينو، ما رفع القيمة السوقية للعملات المشفرة إلى نحو ثلاثة تريليونات دولار من أقل من 500 مليار دولار في مثل هذا الوقت من العام الماضي.
قال بيتر فان دايفورت، العضو المنتدب في مان جروب، أكبر شركة لإدارة صناديق التحوط مدرجة في العالم، "أصبحت السوق مثل لعبة فيديو. تشعر كأنها مثل لعبة كاندي كراش".
يقول محللون ومستثمرون "إن الدافع المهم للارتفاع كان الإجراءات العديدة للتحفيز التي اتخذتها البنوك المركزية العالمية في ذروة الوباء العام الماضي، لإضفاء الاستقرار على الاقتصاد العالمي وضمان انتعاش اقتصادي قوي".
ترك هذا عديدا من الأصول منخفضة المخاطر، مثل السندات الحكومية عالية الجودة، تقدم عوائد ضئيلة، وفي كثير من الحالات تكون العوائد سلبية للغاية عندما يؤخذ التضخم العالمي المرتفع في الحسبان.
يقول محللون ومستثمرون "إن انتعاش السوق زاد من حدته بفعل طفرة في تداولات التجزئة التي بدأت عندما واجه كثير من الناس قيودا اجتماعية شديدة العام الماضي، لكنها استمرت حتى مع إعادة فتح الاقتصادات وانتشار علامات الابتهاج".
في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر)، تم تداول ما قيمته 2.6 تريليون دولار من عقود الخيارات - المشتقات المالية التي تسمح للمستثمرين بالاقتراض ووضع رهانات كبيرة على الأسهم أو ضدها - في الولايات المتحدة، وهو أكبر حجم تداول على الإطلاق، وفقا لـ"جولدمان ساكس". يقدر البنك الاستثماري أن أحجام تداول عقود الخيارات أصبحت الآن أكثر نشاطا 50 في المائة بالقيمة الاسمية للدولار، مقارنة بجميع عمليات تداول الأسهم الفعلية.
معظم الخيارات التي يتم تداولها هي خيارات الشراء، مشتقات مالية تسمح للمستثمرين بوضع رهانات قوية على ارتفاع أسعار الأصول. عاد حجم التداول الإجمالي لخيارات الشراء الأمريكية الآن إلى أعلى مستوياته في ثلاثة عقود، التي شوهدت في بداية 2021، وفقا لنومورا، أدى ذلك إلى دفع نسبة الشراء إلى البيع، التي توفر التأمين ضد تراجعات سوق الأسهم، إلى أدنى مستوى لها منذ حزيران (يونيو) 2000، قبل وقت قصير من انفجار فقاعة الدوت كوم.
قال مسؤول تنفيذي كبير في إحدى شركات التداول الكبرى "هناك عدد أكبر في عقود الخيارات أكثر من الأسهم الفعلية. لها تأثير كبير في السوق"، وأضاف "عقود الخيارات بطبيعتها أكثر تخمينية واستدانة. لا أعتقد أن هذا يمكن أن يستمر إلى الأبد".
كان مستثمرو التجزئة عاملا رئيسا وراء الارتفاع في تداول عقود الخيارات، وحققت سلة "نومورا - وولف" من الأسهم الأمريكية التي تحظى بشعبية لدى المتداولين اليوميين، مكاسب وصلت إلى نحو 150 في المائة هذا العام، مقارنة بمكاسب بلغت 24 في المائة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500. قال راجورام راجان، المحافظ السابق لبنك الاحتياطي الهندي، في مؤتمر الأسبوع الماضي "هناك علامات واضحة تنبئ بتكون فقاعة".
وبدأ بعض المحللين بالفعل يشعرون بالتوتر. قال تشارلي مكليجوت، محلل مشتقات الأسهم في نومورا، "إنه يشعر ببعض التوتر وهو يراقب الأسواق في الوقت الحالي". كتب إلى العملاء الأسبوع الماضي "يبدو أن ذروة الخوف من ضياع الفرص تتغلغل في الأصول القائمة على المضاربة".
ما يسلط الضوء على مدى صعوبة هذه البيئة بالنسبة إلى المجموعة المتضائلة من المستثمرين المضاربين على الهبوط، هو قرار راسل كلارك، من شركة راسل كلارك لإدارة الاستثمار، الذي استسلم أخيرا الأسبوع الماضي، وأغلق صندوق التحوط الذي يحمل اسمه في لندن بعد محاولته اتخاذ موقف ضد صعود السوق في العقد الماضي.
على الصعيد العالمي، تم ضخ 865 مليار دولار من الأموال الجديدة في صناديق الأسهم هذا العام، وفقا لـ"إي بي إف آر". هذا تقريبا ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق للعام كاملا، وأكثر من عقدين من التدفقات المجمعة التي سجلها مزود بيانات تدفق الأموال.
يقول بعض المحللين "إن الارتفاع قد يصبح أكثر قوة في الشهر المقبل". أشار مكليجوت إلى أن عمليات إعادة شراء الشركات الأمريكية أسهمها كانت على وشك الاستئناف بعد الانقطاع القسري الذي تزامن مع الإبلاغ عن الأرباح الفصلية، وأن تدفقات الأموال الداخلة تميل إلى أن تكون قوية في الفترة الأخيرة من العام.
وأضاف أن "هذه العوامل معا يمكن أن تدفع الأسواق إلى أعلى حتى 2022"، وجادل "إنها قواعد نهاية العام التي أعتقد أنها تجبر الناس على المشاركة".
يوافق إيمانويل كاو الخبير الاستراتيجي في بنك باركليز، على أن السوق من المرجح أن تتأرجح صعودا بدلا من الهبوط في المدى القريب. كتب "السوق أصيبت بنشاط محموم، ومع ذلك تظل الأساسيات داعمة لمزيد من الارتفاع في الأسهم". أضاف "يسود الخوف من ضياع الفرص، لكن التمركز العام ليس ممتدا".
مع ذلك، هذا الجنون يثير قلق كثير من المستثمرين الذين يخشون أن ما كان انتعاشا قويا ومبررا إلى حد كبير من صدمة فيروس كورونا ربما يقترب الآن من شيء أكثر خطورة.
قال إريك كنوتزن، كبير مسؤولي الاستثمار في نيوبرجر بيرمان "كل شيء يبدو جنونيا، فقاعات هنا، فقاعات هناك، في كل مكان توجد فقاعات (...) إننا حقا في وضع مجهول، منطقة غير عادية للغاية".